ليس لأنها الحل السحري لجميع المشاكل والقضايا التي تعاني منها البلاد . ولا لأنها أيديولوجيا بديلة ابتدعتها الحداثة ، لتحل محل الأفكار والأيديولوجيات السابقة كعقيدة إنسانية معاصرة . وليس لأنها أصبحت كلمة السر التي يلهج بها الأفراد والجماعات لتحقيق الحرية اللازمة لإطلاق إبداعات الإنسان الفرد ، وتوفير الشروط الضرورية لاستقرار الدول والمناخات المناسبة للإنجاز الحضاري للشعوب . بل لكونها القاعدة الأساس التي يمكن أن يبنى عليها كل ذلك ، ونبع الأساليب التي تعظِّم القوة ، والمفتاح الذي يفتح الأبواب الموصدة .
من هنا صارت " الديمقراطية " مفهوماً مكافئاً للأمل والنجاح ، للتقدم والانتصار ، للنمو والازدهار ، لتحقيق الذات والحياة الحديثة . وبكلمة واحدة للحرية التي تصنع المعجزات .
ما أن يبدأ السياسيون بمعالجة قضايا الوطن وشؤونه ، من الوحدة الوطنية إلى الاندماج الاجتماعي إلى الاستقلال الوطني ، وقبل ذلك وبعده قضايا الاحتلال الأجنبي والتبعية والعدوان وتحرير الأرض واستعادة الحقوق المغتصبة ، حتى تنتصب الديمقراطية أمامهم كمدخل لا بد منه لوضع الشعب في مكانه الصحيح من المعادلة ، يمسك بقضاياه ، ويأخذ مصيره بيديه ، ويكون مؤثراً في صنع القرار .
وإذا أراد الاقتصاديون وخبراء التنمية دراسة أوضاع البلاد على حقيقتها ، وتشخيص معاناتها ، واستشراف سبل " الإصلاح والتطوير " لإنقاذ البلاد وإخراجها من الأزمات الاقتصادية التي تتخبط بها ، انتصبت أمامهم الديمقراطية كهرم لا يمكن القفز عنه أو تجاوزه ، مثلما لا يجدي تجاهله والالتفاف حوله . فلا تنمية ولا استثمار ولا إعادة هيكلة منتجة ، يمكن أن تتم في ظل أنظمة القسر والقيود والاستبداد .
وعندما يلج المثقفون فضاء الحياة الفكرية والثقافية والفنية ، ويبحثون في سبل إنهاضها ، وتثمير التاريخ الحضاري الطويل والغني للبلاد ، والإمكانيات الغزيرة المتوفرة لها ، تستوقفهم الديمقراطية كمحطة أولى لا غنى عنها لانطلاق قطار الثقافة المتعددة الأشكال والألوان بثمارها الدانية ، التي تجعل للحياة الإنسانية معنى .
ومن يريد أن يعالج قضايا الشباب ، وبالتالي مستقبل البلاد المرهون بحراكهم وطموحهم وإنتاجهم . بدءاً من قضايا التربية والتعليم والعمل والمواهب والهوايات والأنشطة وأوقات الفراغ ، فلا بد له من طريق الديمقراطية التي تحقق حضور الجميع بكل الانتماءات والنوازع والأفكار والإصغاء إليهم ، وتفتح الآفاق لإسهاماتهم التي تشكل أثمن رأسمال في بناء المستقبل . ناهيك عن القضايا الاجتماعية المتعددة والمتكاثرة ، التي تستولدها الأزمات وتعقد الحياة اليومية . مثل قضايا المرأة والطفل . . الخ .
لكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود . . فالحاكم العربي ما زال خارج الإنصات لهدير التاريخ . يجعل أذناً من طين وأخرى من عجين . ولا يريد الإصغاء لأصوات الآخرين . فقد ألف سماع صوته أو صداه ، وطرب له إلى حد العشق . ولطالما أغوته أصوات التزييف والنفاق الكثيرة من حوله ، وهي تشوه الحقائق وتزين الأشياء ، وتطيح بالعدل ، وتجعل من الباطل حقاً .
ورغم أن الحاكم العربي جرب الاستبداد وجميع وسائله وأساليبه إلى حد الثمالة ، لكن يبدو أنه لم يصل بعد إلى الاستنتاج الصارخ والمطلوب ، ألا وهو أن عمر الاستبداد قصير مهما طال ، وأن نتائجه وبالاً على الجميع مهما بدت غير ذلك . وعبثاً تعمل أجهزة التسلط والقمع في إبقاء البلاد خارج المسار الديمقراطي للتطور الإنساني . فكلما أوغلت في المنع والسجن والتشريد والتنكيل بالمعارضة ، واحتمت خلف قوانين الطوارىء والأحكام العرفية والمراسيم التي تضعها خارج المساءلة ، وتطلق يدها في حريات الشعب وحياته على هواها ، كلما فضحت نظامها ، فيما يفعله وما لا يفعله ، كتركة استبداد ثقيلة ، حكم عليها التاريخ ، بغض النظر عما تبديه من قدرة على التجدد والاستمرار .
على عكس ما تفعله جهود المفكرين والإعلاميين الأحرار ، وتضحيات المناضلين الديمقراطيين والسياسيين المتنورين ، ونشطاء قضية الحرية وحقوق الإنسان على امتداد الوطن العربي والعالم . فهي تحفر مجراها كما في الصخر رويداً رويداً لكن بثبات . وهي المنتصرة في نهاية المطاف رغم المظاهر الخادعة التي توحي بغير ذلك .
22 / 6 / 2010
هيئة التحرير




















