صار اتخاذ قرارات عالمية مستحيلاً من غير مشاركة قوى ناشئة مثل البرازيل والصين والهند وجنوب أفريقيا و «دول أخرى جديدة وصغيرة». وتتوق القوى هذه الى الاضطلاع بدور وازن في علاقات دولية تشكو «فقراً ديموقراطياً». ففي الاجتماعات الوزارية التي تعقد في إطار مفاوضات دورة الدوحة بكاتكون، في 2003، قررت البرازيل والهند والأرجنتين، الى بلدان أخرى، ألا تجاري قراراً أجمعت عليه القوى التقليدية – الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الخصوص -، ولا يحتسب مصالحها في مجال الزراعة. وأدى إنشاء مجموعة العشرين الى تغيير أنموذج المفاوضات المتعددة الطرف على التجارة.
وكان من نتائج الأزمة المالية إبراز دور القوى الجديدة وترجيحه. فحلت مجموعة العشرين المالية، وهي مؤلفة من بلدان غنية وبلدان نامية، محل مجموعة (الدول) الثماني، وتبوأت مكانة منتدى المناقشات والقرارات الأول في الشأن الاقتصادي. واضطلعت الدول الناشئة، منذ بعض الوقت، بدور بارز في مسألة المناخ وتغيره. وفي ختام مؤتمر المناخ الخامس عشر بكوبنهاغن، أقر المؤتمرون «اتفاقاً» غير وافٍ تفاوض عليه رؤساء البرازيل وجنوب أفريقيا والهند والصين مع الرئيس الأميركي.
وفي 15 نيسان (ابريل) المنصرم، استقبلت برازيـليا لقاءين سياسـيـين رفيعي المستوى، قمة دول البرازيل وروسيا والهند والصين («بريك») الثانية، وقـمة دول الـهند والبـرازيـل وجنوب أفريقيا («إيباس») الرابـعة. والكتلتان، على رغم فروق بينهما، قرينـتان على إرادة القـوى الناشـئة تعريـف الحـوكـمـة العالمية تعريفاً جديداً، وعلى التـزامهـمـا التـعريـف هذا. وذهـب معلقون كثر الى ترجـيح اللقاءين التوأمين وكفتهما على كفة اجتماعات مجموعة السبع أو مجموعة الثماني الأخيرة. ومناقـشة المسائل المالية والمناخية ومعايير العلاقات الدولية تستقبل تدريـجاً البلدان النامية. وهناك إجماع على أن الخلوص الى نتائج ملموسـة يقتضي حضور بلدان مثل الصـين والهـند والـبرازيـل وجـنـوب أفـريـقيـا والمـكـسيك.
والمفارقة هي أن قضايا السلام والأمن الدوليين – ويحملها بعضهم على نواة السياسة الدولية الصلبة – لا تزال حكراً على عدد قليل من البلدان. وعلى رغم إعلان هذه الدول رغبتها في مدّ أيديها الى الدول الأخرى، لم يعقد بعد اجتماع واحد بين وزراء خارجية مجموعة الثماني وبين نظرائهم في (مجموعة) الخمس (الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا والمكسيك)، ولم يُدع الى اجتماع مثل هذا. فتدبير «قدس الأقداس» هذا حكر على أعضاء مجلس الأمن الخمسة الدائمين، ويحرص الخمسة على بقائه حكراً عليهم. ومبادرة البرازيل وتركيا الى ولوج الحمى هذا، ونجاحهما، قلبا الوضع القائم رأساً على عقب. والإصرار على عقوبات في حق إيران، وتجاهل إعلان طهران من غير انتظار رد على ملاحظات «مجموعة فيينا» (الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا)، يثبتان دوام رغبة أصحاب الامتيازات في بت القضايا الدولية على حدة، وداخل مراكز موصدة الأبواب.
والحق أن المفاوضات التي تولاها الرئيس لولا ورئيس الوزراء التركي أردوغان لم تخرج قيد شعرة عن خريطة الطريق المقترحة منذ أشهر والثابتة. ولاحظ المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، على رفض اعتبار إعلان طهران بالقول: «يشبه هذا رفض قبول الجواب عن سؤال بنعم».
وشطر كبير من العالم اليوم ينظر الى دورة كأس العالم في كرة القدم بجنوب أفريقيا. وفي ميدان كرة القدم، الرياضة الكونية الأولى، كان دور البلدان النامية منذ البرازيل والأرجنتين دوماً راجحاً وبارزاً. ولا ريب في ضرورة الاستماع الى رأي البلدان الناشئة في قضايا السلم والحرب – مثل تركيا والبرازيل ودول أخرى مثل الهند وجنوب أفريقيا ومصر وأندونيسيا، والاستماع إليها إقرار منصف بقدراتها ومهاراتها، ويفتح الطريق خصوصاً الى عالم خير من عالمنا.
* وزير خارجية البرازيل، عن موقع «بروجيكت ساندريكايت» الدولي، 15/6/2010، إعداد وضاح شرارة
"الحياة"




















