تتضخم بلا انقطاع لائحة الممنوعات في لبنان. وتتنوع المواد التي يُحظر على الصحافيين والكتاب والمواطنين تناولها، كتابة وقراءة وكلاماً. وصباح كل يوم تنضم عناوين جديدة إلى ما لا يصح الحديث عنه حرصاً على السلم الأهلي أو خشية ملاحقة قانونية أو هجوم أجهزة الرقابة غير الرسمية المتكاثرة والمتناسلة من بعضها في هذا الزمن.
بعد سحب العلاقات اللبنانية – السورية من التداول، بسبب هزيمة قوى 14 آذار (مارس) وانهيارها، وبعد الحرم الملقى على التطرق إلى سلاح «حزب الله»، خصوصاً بعدما اكتشف المكتشفون وظيفة جديدة له هي الدفاع عن ثروات لبنان من النفط والغاز(؟)، وبعد ظهور مخاطر التطبيع الثقافي من جاد المالح إلى عاموس عوز، لم يعد مفاجئاً استعادة مناخات النصف الثاني من التسعينات والانضواء في جوقة الصوت الواحد.
استأنفت الجوقة تلك نشاطها بهمّة وحيوية. واستنبطت وسائل لربط أي موقف لا يعجب دهاقنتها بأموال تأتي من واشنطن أو بتعليمات حكومة بنيامين نتانياهو الموجهة يميناً وشمالاً.
اقترح البعض الانصراف إلى معالجة مسائل صيغة الحكم والنظام السياسي اللبناني، لكن تبين أن أي بحث يتجاوز التكاذب الوطني عن «ضرورة التكاتف لمواجهة المخاطر الخارجية الداهمة والمرحلة الصعبة والدقيقة»، ويمس ولو مسّاً طفيفاً علاقات الطوائف والمستقبل الذي يهيئه اللبنانيون لأبنائهم، يعني – من دون مواربة – التحريض على جولة مقبلة من الحروب الأهلية.
هناك من اخترع اهتمامات تتعلق بالمساواة والعدالة الاجتماعية وسعى إلى تسليط الأضواء على التباينات الهائلة في مستويات معيشة اللبنانيين والفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها الشرائح الأضعف والأفقر. لم يلاقِ هؤلاء النجاح الذي توقعوه. وسرعان ما وجدوا أن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي استخدمت استخداماً كثيفاً عشية حرب عام 1975، لم تعد تجذب الجمهور الذي عثر على الخيط الذي يحرك النقابات والهيئات العمالية ويجعل منها مجرد أدوات للقوى الطائفية المهيمنة. لا يعني ما تقدم عدم خطورة القضية الاجتماعية والمطلبية، بل يعني، ببساطة، عجز اصحابها عن استخلاصها من براثن الجهاز السياسي – الطائفي.
أما مسألة المثليين التي اعتبرت مجموعة من الكتاب أنها تستحق علاجاً وإخراجاً إلى ضوء النهار، فظهر من يؤكد أنه لم يشعر بحقيقته المثلية مثلما شعر بها بعد تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، وليقول أن قضية المثليين لا يمكن أن تتقدم قبل تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وأن كل محاولة لتصويرها على أنها قضية حقوق شخصية وحريات مدنية، باطلة بطلاناً مطلقاً.
ولعل أحد أسباب التراجع في مساحة حرية التعبير والتفكير في لبنان، بل حالة الاختناق التي باتت تهدده، يقع في تعذر تطوير صيغة الحكم فيه. آخر مظاهر التعذر هذا جاء في رفض مجلس النواب تخفيض سن الاقتراع في الانتخابات النيابية والبلدية. ولنا أن نقول بوجود رابط غير مباشر بين الرفض المذكور وبين الاصرار على الإبقاء على حرمان الفلسطينيين من حقوقهم المدنية. ومن أسف أن الجهات التي عارضت المشروعين تكاد تكون ذاتها.
لكن الجمود وعدم القدرة على ادخال التغيير اللازم على البنية القانونية والدستورية اللبنانية، يترك بلادنا تتآكلها رقابات أنصاف المتعلمين وأشباه السياسيين والمتاجرين بكل سلعة وقيمة.
"الحياة"




















