بين القضايا الشرق الاوسطية التي افصحت الادارة الاميركية المنتظرة عن مواقفها منها لا تبدو جلية سوى قضية افغانستان.
فالرئيس الاميركي الجديد ينوي تكثيف المعركة ضد "طالبان" ومطاردة "القاعدة" وزعيمها اسامة بن لادن، وتاليا تكثيف الوجود العسكري الاميركي في افغانستان.
لم يفصح الرئيس المقبل كيف سيتعامل مع المشكلة الباكستانية التي تشكل الخلفية الحقيقية لـ"طالبان" و"القاعدة"، ولم يكن مطلوبا منه ذلك. لكن باكستان ستكون ولا شك معضلته المقبلة رغم وضوح خياراته المتعلقة بمكافحة الارهاب.
من الاولوية الافغانية ومن التصريحات السابقة حول ضرورة فتح حوار مباشر مع طهران استنتج كثيرون ان العلاقة الاميركية مع ايران ستنطلق من زاوية مختلفة. فايران ربما تكون حليفا في حرب عالمية ضد الارهاب ينوي اوباما استكمالها من النقطة التي توقف عندها جورج بوش عندما قرر غزو العراق.
لكن قضية القدرات النووية الايرانية والموقف الواضح لباراك أوباما بأن بلاده لا تستطيع ان تسمح لايران بامتلاك السلاح النووي، تطرح علامة استفهام حول التحليلات التي تتوقع تعديلا جوهريا في العلاقات الاميركية – الايرانية.
مع أوباما يبدو واضحا ان الخيار العسكري في وجه ايران، ايا تكن التطورات في قدراتها النووية، لم يعد واردا. لكن الوارد هو العمل "المتعدد الطرف" وتحت المظلة الدولية لعزل ايران المصممة على الطريق النووي، فكيف يمكن التوفيق بين الأولويتين "الافغانية" و"النووية".
حتى الان ليس أوباما في موقع المضطر الى حسم التناقضات في الاشارات الى سياساته المقبلة، لكنه ولا شك سيضع مشروع السلاح النووي الايراني في اطار اوسع من التصريحات الاسرائيلية – الايرانية المتبادلة، خصوصا مع الاخذ في الاعتبار الجيرة المباشرة لايران اي افغانستان والعراق والخليج هذا دون الاشارة الى الجيرة غير المباشرة.
والغموض "الايراني" يشتد عندما نصل الى الجانب الآخر الواضح في سياسة أوباما والمتعلق بالانسحاب من العراق. فهذا الموقف يأتي بعد الوصول الى الاتفاق الامني بين بغداد وواشنطن الذي ينص على انسحاب عسكري اميركي في نهاية 2011 وعلى انسحاب من المدن العراقية منتصف السنة المقبلة.
فأين جدول أوباما من جدول الامر الواقع الذي فرضه بوش قبل رحيله، خصوصا ان التطور المتوقع في العراق هو نحو المزيد من حصار بؤر العنف بعدما تم سلب "القاعدة" حاضنتها في المناطق السنية – العشائرية".
حتى الانسحاب السريع الذي وعد به أوباما هو اكثر بقليل من نصف المدة التي وعد بوش بها العراقيين. والمواعيد العملية قد تثبت ان الفروق بين الجدولين يمكن استيعابها خصوصا اذا استمر الانخفاض الملحوظ في الخسائر البشرية الاميركية في العراق.
المشكلة امام أوباما لن تكون عسكرية وانما في كيفية التوفيق بين الانسحاب الحقيقي الذي ينويه ولو في 2011، وتوزيع الحصص الداخلية والاقليمية الذي سيرسو عليه العراق الجديد، والمخاطر التي يتضمنها ذلك بايجاد بؤر توتر كانت نائمة طالما ان الالتزام الاميركي في العراق لا يتزعزع.
بعد العراق نصل الى المدى الذي كان كلام أوباما فيه الاقل وضوحا، هذا في حال وجوده. فعدا عن الاشارة الى فتح حوار مباشر مع سوريا مما يعد تغييرا في القطيعة بين ادارة بوش والنظام السوري لم يفصح اوباما وفريقه عن تصور للمسارات السلمية العربية – الاسرائيلية.
واذا كان واضحا اعتباره ان الاشتباك الاميركي – السوري ليس لمصلحة الاولوية التي ينبغي اعطاؤها للحرب العالمية على الارهاب، فانه لم يطرح اي فكرة حول كيف يمكن مقاربة القضية الفلسطينية انطلاقا من الاولوية نفسها.
فاذا كان مفهوما ان تدير الادارة الجديدة الظهر لجدول الاعمال الديموقراطي الموسع الذي اعلنته ادارة بوش حتى في وجه حلفائها من المعتدلين العرب بعد غزو العراق، فانه من غير المفهوم كيف ستترجم ما يصطلح على تسميته بتجفيف منابع الارهاب بايجاد حل مقبول عربيا للقضية الفلسطينية.
هذا فيما تتجه اسرائيل لاستقبال الرئيس الاميركي المنتظر بائتلاف حكومي يميني يعلق استعمال كل اللفظيات السابقة حول حل الدولتين.
وإذا كانت الاولوية المقبلة للارهاب الاسلامي فماذا في جعبة أوباما ما يكفل بلقاء عربي – اسرائيلي في جبهة واحدة؟
لا شك في ان ادارة بوش الراحلة خلقت مشكلات عقدَّت المشكلات الاصلية، لكن التوجه الجديد لأوباما باعادة الامور الى نقطة انطلاقها ليس كفيلا بحل الاستعصاءات المعروفة، وعلى هذا الصعيد لا تعيدنا اولوية افغانستان الى ابعد من احداث ايلول 2001، مع فقدان كل زخمها.
"النهار"




















