من الواضح أن إيران تبدي ثقة مفرطة في قدراتها العسكرية والتسلحية والنووية. إن امتلاك إيران لأسلحة الدمار الشامل وصواريخ بعيدة المدى ومراهنتها على ورقة النفط، حيث تلوح بايقاف التصدير الى الدول الأوروبية ما يشكل أزمة حادة وارتفاعا جنونيا في الأسعار ولكن إذا نفذت إيران تهديدها بايقاف تصدير النفط فإنها ستكون أول المتضررين ـ إذا لم تضع ذلك في حسابها ـ لأن اقتصادها يعتمد بشكل كبير على التصدير.
تطل إيران على مضيق هرمز وهو ممر مائي بطول 33 ميلاً وهو موقع استراتيجي يمر عبره خمس (5/1) تجارة النفط العالمية ويربط الخليج العربي ببحر عُمان. ففي حال أقفلت إيران هذا المضيق من خلال سيطرتها عليه فإنها ستتمكن من إرباك الدول الغربية إذ يمر من خلاله 80% من نفط المنطقة و40% من تجارة العالم. ويمتلك الحرس الثوري الإيراني أكثر من 700 موقع من نقاط مختلفة على طول الضفة الشرقية للخليج العربي.
إن للحصار البحري تأثيراً سيئاً في إيران وفي اقتصادها لأنها ستحرم من استيراد النفط المكرر ما يشل بالتالي عجلتها الاقتصادية، ذلك لأن إيران البلد المنتج والمصنع للنفط تفتقر الى مصانع النفط المكرر ما يضطرها الى إعادة استيراد نفطها بعد تكريره من بلدان أخرى، وهذا النفط يمر بمضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتهدد بإقفاله.
تقرير الاستخبارات الأميركية
بشأن الملف النووي الإيراني
خلص هذا التقرير الى مجموعة من النتائج من أهمها أن إيران كانت تمتلك بالفعل برنامجاً عسكرياً لإنتاج السلاح النووي منذ العام 2003 وأنها الآن تعمل في مجال الطاقة النووية السلمية، وأنها ربما تستعيد قوتها النووية العسكرية لكن ليس قبل عام 2010 وكان العديد من المحللين قد توقع أن ثمة صفقات قد تتم في المرحلة القادمة بين أميركا وإيران لبسط النفوذ في المنطقة بما يحقق أهداف أميركا الاستراتيجية.
إن هذا التقرير في حقيقته ما هو إلا محاولة لتخطي أزمة اسلحة التدمير الشامل بحيث يقلل من شأن وجود أي تهديد حقيقي من جانب السلاح النووي الإيراني، وهو بطريقة غير مباشرة يقلل من احتمال ضربة عسكرية لإيران ولا يقدم الكثير من الأدلة للذين يريدون تدمير منشآتها النووية بل يشير الى أن الضغوط التي فرضتها العقوبات كانت ايجابية وفاعلة.
وفي عام 2007 جاء تقرير وكالة الطاقة الذرية ليقول إن إيران لم توقف عمليات تخصيب اليورانيوم. وفي أحد تقارير هذه الوكالة سمح رئيسها محمد البرادعي لإيران بالقيام بعمليات تخصيب محدودة ولكن في ظل إشراف مشدد من الوكالة ولكن الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها رفضوا هذا التقرير.
وكان النزاع مع إيران في عام 2006 قد احتد حينما أحالت الوكالة الذرية الملف النووي الإيراني الى مجلس الأمن الذي فرض على إيران عقوبات اقتصادية وليست عسكرية على مرحلتين.
شعر مجلس الأمن بالقلق لأن إيران تستخدم تقنية لإنتاج الوقود النووي وهي التقنية نفسها التي تستخدم لإنتاج السلاح النووي.
ومن هنا ثمة مخاوف من وقوع أزمة أوسع نطاقاً يحتمل أن تكون ضربة عسكرية، ولم تستبعد الإدارة الأميركية اللجوء الى الحل العسكري في حال لم تمتثل إيران لمقررات مجلس الأمن عبر السبل الديبلوماسية.
في المقابل لا تكشف اسرائيل عن امتلاكها اسلحة نووية وخاصة انها ليست طرفاً موقعاً على معاهدة حظر الانتشار النووي.
ان ايران، باعتبارها اقوى وأكبر دولة في العالم الاسلامي، لن تسمح لأي قوة اخرى ان تكون حارساً لمنطقة الخليج الغنية بالنفط وهذه ثابتة من ثوابت السياسة الخارجية لايران وانطلاقاً من هذه الثوابت تتصرف ايران على انها القوة المهيمنة في المنطقة وحاملة راية الاسلام في العالمين العربي والاسلامي.
ان اللجوء الى الحل العسكري ستكون له نتائج كارثية ليس على منطقة الخليج فقط ولكن على منطقة الشرق الأوسط برمتها.
ولكن مع الحديث عن عملية عسكرية استباقية وحسم عسكري نهائي يبقى هناك خيط رفيع لم ينقطع بعد.
والواقع ان لهجة التهديدات الأميركية بضرب إيران سرعان ما خفت مع اشتداد الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة. وبعد أن انخفض التأييد الشعبي لبوش بشكل سريع جداً وغير مسبوق بسبب فشل سياسته الداخلية والخارجية والتي أنهت عهده بانهيار اقتصادي كبير هز أميركا والعالم.
أصبحت إيران اليوم عضواً في "النادي النووي العالمي" فعلياً، وهي تمتلك تقنيات وتكنولوجيا متقدمة في هذا المجال.
وبعد أزمة جورجيا وأوسيتيا الشمالية والوضع الباكستاني الداخلي المتفجر وما يجري على الحدود الأفغانية ـ الباكستانية، تبدو طهران مرتاحة ولو موقتاً من الضغوط السياسية والعسكرية، فهي في موقع قوي، وباتت تشكل محاوراً أساسياً قد لا تستطيع أميركا ولو بتهديدها بالحرب إلا أن تتفاوض أكثر وأكثر معها وقد تحاول الوصول الى بعض التسويات خاصة مع وصول أوباما الى البيت الأبيض.
ثم جاءت الهزة الاقتصادية العالمية التي هزت أميركا والعالم أجمع. فكانت أشبه بتسونامي جرف كل شيء، لقد طالت هذه الأزمة الجميع ولكن بنسب متفاوتة، لتشغل العالم بأكمله وتخسره مليارات الدولارات فكانت الأزمة الأقوى منذ عام 1920.
كل أزمة اقتصادية عالمية عادة تؤدي الى حروب أو تسويات دولية كبيرة أو تغيير في أنظمة أو ظهور أنظمة جديدة.
لقد توصلت معظم الشعوب العربية الى قناعة مفادها أن حال اللاحرب واللاسلم قد أدت الى مزيد من إملاق هذه الشعوب وتجهيلها والدوس على كرامتها وانتهاك حقوقها وضياع مستقبل أجيالها، بحيث ندرت فرص العيش بأمن وأمان واضطربت الأوطان! فأي مصير ينتظر بلادنا؟ أين مستقبل شبابنا؟ كيف نصرّف طاقاتنا وعقولنا؟
كل هذه التساؤلات الملحة تستوجب ضرورة توحيد الشعوب العربية في مواجهة التمدد الإيراني من جهة والخطر الإسرائيلي من جهة أخرى… إضافة الى احتواء التدخل الأميركي وإن كان يلبس قناع التحرير والسيادة…
إيران والخليج
إن الطموح الإيراني الى الزعامة الإقليمية والسياسة التوسعية في مناطق النفوذ لا تحده حدود. ففي الخليج تصر إيران على أن تبقى القوة المهيمنة الوحيدة، وهي بالتالي تقاوم أي دور لدول الخليج العربي مثل السعودية والكويت والإمارات، كذلك تقاوم أي دور لمصر. وفي سبيل تثبيت هذه الحقيقة، قامت باستكمال احتلال جزيرة (أبو موسى) التابعة لدولة الامارات، وكان رفسنجاني قد صراح أن جزيرة (أبو موسى) ذات أهمية كبرى لإيران بسبب موقعها المتميز. ويعتبر الإيرانيون ان أهل هذه الجزيرة حماة جمهوريتهم.
ورغم المحاولات الايرانية المتكررة لتبديد المخاوف الداخلية إزاء الملف النووي الايراني منذ أن أعيد فتحه فإن هذه المخاوف تظل قائمة. ولا شك ان المخاوف البيئية بما فيها تلوث المياه والثروات الطبيعية ووقوع ايران فوق طبقة زلزالية واحتمال حدوث تسرب اشعاعي كما حدث في مفاعل (تشيرنوبل) وكارثة (تشيرنوبل) امتد تأثيرها السلبي ليشمل عدداً كبيراً من دول أوروبا وصولاً الى تركيا وجنوب سوريا واحتمال توجيه ضربة عسكرية للمواقع النووية الايرانية سواء من قبل الولايات المتحدة او اسرائيل كما فعلت الأخيرة مع المفاعل النووي العراقي (أوزيراك) عندما دمرته بواسطة الطيران الحربي عام (1981) تبقى كلها ماثلة في عيون ابناء دول الجوار.
تعد الكويت أكثر الدول المعرضة لخطر حدوث تسرب اشعاعي وذلك لقربها من محطة بوشهر الايرانية اذ انها لا تبعد عنها أكثر من (272 كلم) وبالتالي فان تأثيرات حدوث التسرب الاشعاعي يمكن ان تصل الى أجواء الكويت "لا قدر الله" في أقل من (15) خمس عشرة ساعة اذا كانت سرعة الرياح خمسة أمتار في الثانية.
وتبين من التقارير ان دول الخليج ستدفع ثمناً أكبر من الذي ستدفعه ايران بحال وقوع كارثة للمفاعل النووي سواء اكانت طبيعية أم جراء التهديدات بقصف المنشآت النووية والصاروخية الايرانية في حال فشل الجهود والمساعي السياسية في التسوية.
ومن هذا المنطلق طلبت دول مجلس التعاون الخليجي من ايران ضرورة تفهم مخاوفها.
اضافة الى كل ذلك فان توجيه ضربة عسكرية لايران قد ينجم عنه رد فعل ايراني عبر عنه السيد خامنئي بأنه سيؤدي الى تعرض أمن مصادر الطاقة في المنطقة لخطر كبير.
ان عواقب الازمة الايرانية على المنطقة وخيمة وخاصة ان كل القطاعات ستتضرر وليس قطاع النفط والأسهم فقط.
والواقع ان هناك مشروعين نوويين خطيرين في المنطقة احدهما من عدو وهو اسرائيل والآخر من جار وهو ايران والسؤال الاساسي الذي يُطرح تبعاً لهذين المشروعين: هل سيصبح سكان المنطقة في المستقبل عرباً مهمشين بادارة تركية ايرانية واسرائيلية.
ان مخطط التمدد الايراني وبسط النفوذ على دول الجوار هو المخطط الأهم بين مخططات ايران المستقبلية.
فالتوغل السياسي الايراني في لبنان قد وصل الى أوجه بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان الشهيد رفيق الحريري، ومن خلال اختلاط الأوراق الدولية ونفوذ حزب الله في لبنان من خلال اقامة دويلة داخل الدولة.
اما العراق فان ايران تعتبر انه اصبح جزءاً لا يتجزأ منها. واما فلسطين فايران تساهم من خلال حماس في توسيع الشرخ بين الفلسطينيين ما أدى الى مواجهات عديدة دامية اسفرت عن سقوط المزيد من الضحايا عدا ضحايا الاعتداءات الاسرائيلية.
الخيارات العربية المتاحة ازاء التخبط بين أميركا وايران
ان النظام في طهران يسعى الى تحويل ايران الى دولة عظمى في المنطقة تستطيع فرض سيطرتها وايديولوجيتها داعمة موقفها بمشروعها النووي.
ولعل الحرب الباردة في المنطقة بين الدول العربية وايران قد بدأت فعلاً!
ان هناك تفسيرات مختلفة لفهم تلك المسألة فالبعض يتصورها تاريخية ويعود بأصلها الى ما كان قائماً بين الفرس والعرب في الزمن السحيق الى زمن زوال الامبراطورية الفارسية على يد العرب.
والبعض يتصورها مذهبية تتعلق بطموح الجمهورية الاسلامية الى التمدد، من خلال تصدير الثورة الخمينية الى الخليج العربي. وآخرون يعتبرونها جيو استراتيجية تتعلق بأمن الدول العربية.
وتعتبر ايران عدم استقرار الدول المجاورة لها ورقة رابحة داخلياً، وتسعى لأجل هذا كله الى امتلاك اسلحة نووية داعمة، بحيث تطرح نفسها كقوة اقليمية عظمى.
وجاءت الردود العربية على السياسة الايرانية سريعة ومباشرة، اذ ارتبطت هذه الردود بتصريحات على أعلى المستويات.
لقد أصبحت الأنظمة العربية اليوم حائرة بين شعورها بهيمنة وتنامي دور ايران التوسعي وطموحاتها النووية من جهة وبين الخوف من الفوضى التي يمكن أن تعم المنطقة في حال قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري استباقي ضد ايران وما يمكن ان يكون عليه الرد الايراني.
وهذه الحيرة المزدوجة لها ما يسوغها.. فالدول العربية ستكون ساحة الصراع.. وهو صراع الجبابرة.. صراع بين أميركا وايران أو ايران واسرائيل بدعم أميركي.
والحق ان هناك نقاط التقاء بين ايران واسرائيل فان كلاً منهما تمتلك مفاعلاً نووياً ضخماً، ومن ناحية أخرى تتلاقى مطامعهما المشتركة في دول الخليج، فكلتاهما تنظران الى البترول الخليجي وكلتاهما تخططان للسيطرة عليه.
ان حملة التسلح الايرانية المكثفة ما هي الا سباق تسلح محموم في ظل حرب اقليمية باردة ترهق ميزانيتها على حساب نفقاتها الداخلية وعلى حساب تطورها وعلى حساب معيشة السكان، وخاصة انها ليست خلواً من الأزمات الاجتماعية الداخلية كأزمة الوقود ومشارفة احتياطيها من النفط على النفاد، بالاضافة الى انعكاسات العقوبات الدولية عليها والتي باتت تشكل ضغطاً يزداد في كل يوم.
ان التلويح بالحل العسكري واستخدام التكنولوجيا العسكرية الأميركية المتطورة في الحرب على ايران هدفه الضغط على النظام الايراني وابلاغه انه يمنع عليه تصدير ثورته ونموذجه وميليشياته الى خارج حدوده، ويمنع عليه استخدام عملائه في الحروب بالنيابة، ان في العراق أو لبنان أو فلسطين أو أي دولة خليجية مجاورة.
واذا كانت الولايات المتحدة تنوي عقد صفقة تاريخية مع النظام الايراني، كما تنادي بها أصوات أميركية كثيرة، فان تلك الصفقة يجب ان تشمل ابلاغ الحكام الايرانيين الكف تماماً عن طموحات الهيمنة الاقليمية، وتصدير الثورة، ورفع ايديهم وسيطرتهم عن لبنان، واجبار "حزب الله" بتسليم السلاح الى الدولة والانخراط في الحياة السياسية، كذلك كف مصادر الجهاد الفلسطيني من خلال سيطرتهم على منظمة حماس، والحد من نفوذهم في العراق، والكف عن ادارة الأزمات في معظم دول المنطقة.
ويبقى الملف الأكبر وهو الملف النووي الايراني بمده وجزره وما يرافقه من خوف التفجير الكارثي في المنطقة. فهل ستعقد الصفقة التي ستسبق الحل العسكري الذي لن يُبقي ولن يذر؟
إن اقل ما يجب القيام به اليوم هو أن يسارع الحكام العرب الى وضع استراتيجية امنية وسياسية شاملة تحت اشراف جامعة الدول العربية لمواجهة جميع الاحتمالات التي قد تطرأ على صعيد التصعيد في الملف النووي الايراني لأن تداعياتها وتأثيراتها لن تقتصر على ايران وحدها بل ستتجاوزها الى جميع دول المنطقة.
السياسة الخارجية الأميركية الجديدة
بعد أن هبت رياح التغيير على أميركا وتحققت معجزة وصول رئيس اسود من اصل افريقي وذي جذور اسلامية الى سدة الرئاسة الأميركية في البيت الابيض، قد تصبح السياسة الأميركية معه اكثر توازناً وحكمة. فالمواطن الأميركي الذي قرر مصير بلاده رئيس متهور اصبح اقل حماسة للمغامرات العسكرية وما يستتبعها من خسائر مادية وبشرية.
وقد خلف فوز أوباما اغتباطاً عالمياً، حتى ان ايران نفسها أعربت عن ارتياحها واعتبرت فوز أوباما هزيمة لسياسات بوش الرعناء في أنحاء العالم آملة بمسار سلمي وحواري في ما يختص بملفها النووي.
يحظى اوباما بفرصة مميزة لنقل اميركا من حال الحرب الى السلام وبوسع القوة الاميركية ان تكسر دورة العنف في الشرق الاوسط وتكمن مهمة أوباما ايضاً باقناع الاسرائيليين بانه حان الوقت لاحلال السلام حتى لو تطلب ذلك اعادة الاراضي التي تم احتلالها من قبل اسرائيل في العام 1967.
ترغب منطقة الشرق الاوسط في ان يتم ايلاء مشاكلها اولوية. يجب على اوباما ايضاً ان يتعامل مع الأزمة المالية العالمية التي تتطلب انشاء بنية مالية دولية.
والحق ان هناك تحديات كبيرة وصعوبات شائكة بانتظار الرئيس الاميركي الجديد أوباما خاصة ان الاقتصاد الاميركي والعالمي يمر بأخطر ازمة عرفها التاريخ الحديث.
والتحدي الأكبر هو محاولته تحسين صورة أميركا في عيون العالم.
() باحثة ومستشارة سياسية




















