عقود ستة مضت على صدور «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» في العاشر من كانون الاول (ديسمبر) 1948، ومثلها مرّ على قيام الدولة العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال. ومنذئذ مرّت حالة حقوق الإنسان بمراحل مختلفة قانونياً وسياسياً وثقافياً، في حين مرّت الدولة العربية بانحناءات معاكِسة في ما يخص التعاطي مع قضايا الحريات الأساسية وحقوق الإنسان.
وابتداء تمكن الإشارة إلى ثلاث مراحل كبرى مرت بها مسيرة حقوق الإنسان حول العالم، أولها هي مرحلة ترسيخ حقوق الإنسان قانونيا، وذلك من خلال وضع الإطار التشريعي والقانوني اللازم لضمان احترام حقوق الإنسان كما وردت في الإعلان العالمي والتي وصلت ثلاثين حقاً تم فرضها على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة آنذاك، والتي لم يزد عددها عن ثلث العدد الحالي. كما تم خلالها تدشين عدد من المواثيق والعهود الدولية كان أبرزها «العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية» عام 1966، كما تم تشكيل عدد من اللجان المسؤولة عن صيانة ومراقبة حال حقوق الإنسان مثل لجنة «القضاء على التمييز العنصري» التي دخلت حيز النفاذ عام 1969.
وقد استمرت هذه المرحلة طيلة الخمسينات والستينات وحتى أواخر السبعينات من القرن الماضي. وطيلة تلك الفترة شهدت أروقة الأمم المتحدة مزاحمات شديدة حول الحدود القصوى لمفهوم «حقوق الإنسان» والذي حاول البعض تقليصه إلى أقصى حد كي يضمن حرية انتهاك حقوق الإنسان داخل إطار سيادته. وإبان تلك المرحلة كان كثير من المجتمعات، بما فيها الأوروبية، لا تزال تكافح من أجل ضمان المساواة فى الحقوق السياسية.
المرحلة الثانية هي مرحلة «تسييس حقوق الإنسان»، وهي المرحلة التي رافقت ظهور «الموجة الثالثة للديموقراطية» التي سادت أوائل الثمانينات حين شهدت بلدان مثل إسبانيا ودول أميركا اللاتينية ثورات سياسية حررتها من الأنظمة التوليتارية. وانتقلت حقوق الإنسان من مجرد إطار قانوني «رمزي» إلى إطار سياسي واقعي يجد صداه في الانتخابات الحرة واتساع نطاق المشاركة السياسية وضمان المساواة بين الجميع.
أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة «عولمة حقوق الإنسان»، تلك التي بدأت أوائل عقد التسعينات وتجذّرت مع نصفه الثاني، حيث تحوّلت حقوق الإنسان إلى حركة ثقافية تمخر العالم من شرقه إلى غربه، واتسع نطاق المؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان سواء محلياً أو دولياً. ولم يعد بمقدور العديد من الدول التهرّب من مسؤوليتها الأخلاقية إزاء مواطنيها خاصة في ما يتعلق بالحق في الحياة والسلامة الشخصية. وبفعل ذلك زادت حالات التدخل الدولي من أجل حماية المدنيين في أوقات الحروب والصراعات.
أما عربياً فقد دارت العجلة عكسياً، فبرغم الدور الملحوظ الذي لعبته الكتلة العربية في الأمم المتحدة في تدشين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 (خاصة مصر ولبنان عبر ممثليْهما في لجنة صوغ الإعلان الدكتور محمود عزمي وأستاذ الفلسفة ووزير الخارجية اللبناني الأسبق شارل مالك)، إلا أن كثيراً من الدول العربية لم يحترم مسودة الحقوق الأساسية التي أقرها الإعلان.
وفي هذا الصدد يمكن تقسيم الدول العربية إلى فئات ثلاث لجهة احترام حقوق الإنسان، أولها دول لا تعترف بما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، خاصة الحقوق المتعلقة بالحياة السياسية كالحق في المساواة وحرية التعبير عن الرأي والتجمع السلمي والتظاهر وحرية الانتخاب وحرية العقيدة والدين. وبعض هذه الدول لم يصدّق على عدد من المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وبروتوكوله الاختياري، والاتفاقية الدولية لحقوق العمال المهاجرين.
أما الفئة الثانية فهي دول تتظاهر باحترام حقوق الإنسان، ولكنها في الواقع تمارس أفعالاً قمعية إزاء مواطنيها ومعارضيها، أو تحاول التأثير على الإرادة الدولية في هذا المجال.
والفئة الثالثة هي دول تتبنى مقاربة مغايرة لحقوق الإنسان تقوم على مقايضة الحقوق السياسية بنظيرتها الاجتماعية والاقتصادية، كأن يحصل مواطنوها على حقوقهم الاقتصادية كالحق في العمل والعيش بشكل لائق مقابل التخلي، ضمنياً، عن حقوقهم السياسية. وهي دول لا تعترف بعولمة حقوق الإنسان، وذلك تذرعاً بالخصوصية الثقافية والاجتماعية.
وإذا كانت العولمة، بأدواتها وقيمها، قد قامت بدور محوري في نشر وتدعيم ثقافة حقوق الإنسان حول العالم، وذلك إلى حد معاقبة رؤساء دول بسبب انتهاكهم لحقوق مواطنيهم، أو إسقاط حكومات بأكملها كما هي الحال الآن في تايلاند واليونان، إلا أنها لم تؤد الدور نفسه في العالم العربي، بل تنحسر يومياً المساحة المفترضة لهذه الحقوق والحريات.
فعلى المستوى القانوني لا يزال كثير من المجتمعات العربية يعاني نقصاً حاداً في التشريعات والقوانين المنظمة لحقوق الإنسان الأساسية، وإن كانت الدساتير تضمن ذلك نظرياً. ويكفي أن بعض دولنا لا تزال تُحكم بقوانين الطوارئ منذ عقود، في حين أن دولاً أخرى تغيّر دساتيرها من أجل ضمان احتكار السلطة من دون اعتبار لإرادة مواطنيها.
وسياسياً يبدو المواطن العربي مكبلاً بالعديد من الإجراءات القمعية التي ينتفي معها أي حديث عن حرية المشاركة السياسية وحرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الأحزاب. أما ثقافياً فلا تزال المجتمعات العربية في حال «غيبوبة» حقوقية، وذلك إما بسبب إنهاكها الاقتصادي والمعيشي، أو بفعل هيمنة الخطاب الديني «التقليدي». فى حين لا تزال بعض شرائح مجتمعاتنا تعاني تمييزاً فجاً بسبب لونها أو دينها أو عرقها أو جنسها.
قبل أيام قليلة صدر تقرير مهم يرصد حال حقوق الإنسان في عدد من الدول العربية، ولعل أبرز ما أورده التقرير، الذي صدر عن «مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان»، هو أن المنطقة العربية باتت تمثل أحد العقبات الرئيسية أمام تطور المسيرة العالمية لحقوق الإنسان، وذلك بسبب تصدّيها للعديد من المبادرات الهادفة لعولمة حقوق الإنسان.
بيد أن ما يدعو للتفاؤل هو ما رصده التقرير حول تنامي الحركات الإصلاحية في أكثر من بلد عربي، وذلك في ما يمكن أن نسميه مجازاً «حركة الحقوق المدنية العربية» وهي حركة يمكن أن نتلمسها في تجمعّات افتراضية تتسع كبقعة زيت في فضاء الانترنت كحركات المدونين والناشطين على مواقع «الفايس بوك» و»اليوتيوب»، فضلاً عن الحركات الاحتجاجية الاجتماعية الناهضة التي تسعى الى كسر أسطورة هيمنة الدولة العربية على المجالين السياسي والاجتماعي.
* كاتب مصري.
"الحياة"




















