لا أحد ينكر ان مسؤولي الجماعتين الكرديتين (جماعة البارزاني وجماعة الطالباني) في العراق ركزوا كثيراً على الدبلوماسية في تحقيق مآربهم المرحلية سواء كان ذلك في تعاملهم مع الجماعات المنضوية في العملية السياسية التي يتبناها الاحتلال ام في تعاملهم مع الدول المجاورة ودول العالم الأخرى، كما استفادوا من حصولهم على حقيبة الخارجية لتعزيزتحركهم الدبلوماسي هذا، حيث راح هؤلاء المسؤولون يجوبون في زياراتهم مختلف دول العالم. وكأنهم في هذا التحرك الدبلوماسي، يمارسون سياسة خارجية لدولة مستقلة ولا نقول دولة انفصالية، وهو امر اقر به المالكي في اعترافاته الأخيرة التي جاءت على شكل تصريحات متصاعدة النبرة، محاولاً من خلالها ايهاميا بأن هنالك خلافاً بين حكومته والجماعتين الكرييتين في شمال العراق، متغافلا ان الائتلاف الحاكم وحزبه الدعوة يدركان جيداً ومنذ سنوات المعارضة العراقية السابقة، النزعة الانفصالية لدى الجماعتين المذكورتين، خصوصا وانهم كانوا يرددون على مساممعهم في ذلك الحين: (انهم ليسوا معارضين وإنما طلاب حقوق قومية كردية).
يذكر ان نوري المالكي ابدى استغرابه المصطنع خلال مؤتمر صحفي عقد ببغداد اخيراً، لصمت مجلس رئاسة الجمهورية تجاه هذه المخالفات الدستورية، مشيراً الى ان هذه المخالفات ترتكب من خلال فتح معرات خاصة للبعثات الدبلوماسية وتحريك القوات لمواجهة قوات الحكومة الاتحادية المركزية في المناطق التي تسيطر عليها، مضيفا ان هذه القيادات الكردية تدعم مجالس للعشائر من خلال اموال الدولة ولصالح احزابهم فيما يعارضون تشكيل مجالس الاسناد.
وقد رد عليه الأكراد في هذا السياق بشكل مسرحي من خلال خالد شواني احد النواب الأكراد في البرلمان قائلاً، نستغرب من المالكي هكذا خطابات يريد فيها احداث تصعيد اعلامي للمشاكل السياسية مع العلم انه احد القياديين الرئيسيين والرئيس التنفيذي للحكومة، داعياً المالكي الى ان يتعامل مع الآخرين حسب اخلاقيات التحالفات، لا ان يكون حليفا عند الضعف ومهاجماً عند القوة وان يجعل من نفسه الحكم والخصم في آن واحد.
وحتى لا يتركوا للمالكي فسحة للادعاء بأنه على خلاف معهم، سارع الأكراد الى تأكيد تحالفهم معه وتاييدهم لحكومته، اذ نفى الناطق باسم التحالف الكردي في مجلس النواب فرياد راويدوري ماتناقلته بعض وسائل الاعلام من اخبار تعيد ان التحالف يتجه الى تجسيد الاراء في مجلس النواب لسحب النقمة على الرئيس المالكي، وقال راوندوري في تصريح صحفي: ان هذه الانباء لا اساس لها من الصحة، مشدداً على ان رئيس الوزراء لا يزال يخظى بتأييد التحالف الكردي.
وحتى لو افترضنا أن هناك خلافات وتباينات بين المالكي والأكراد، فإن هذه الخلافات مرتبطة بحاضر ومستقبل العملية السياسية الجارية، من واقع أن جميع الجماعات تحرص على مصالحها الضيّقة، وهي ليست مستعدة لأن تفرط بهذه المصالح على طريق المصلحة الوطنية العليا، والدليل أن وضع كركوك ظل معلقاً من دون حسم مع أنه موضوع صميمي وحيوي له علاقة بكيان العراق كدولة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ولو كان المالكي جاداً في خلافه مع الأكراد لأقدم على خطوات عملية وميدانية بالنسبة لكركوك التي يسيطر عليها الأكراد على الأصعدة السياسية والأمنية والعسكرية، ثم إن أي حل حاسم في هذه القضية يأتي لصالح عراقية كركوك الجامعة، لن يخدم المالكي في هذا الوقت لا سيما وأنه على تنافس مع جماعة الحكيم التي ما زالت عينها على منصه، وإذا ما فقد المالكي أصوات الجماعتين الكرديتين الى جانب أصوات جماعة الحكيم في البرلمان، فهذا يعني حتمياً فقدانه المنصب، وهو أمر يعيه جيداً ولا يمكنه بالتالي الوصول به الى خلاف في الصميم.
بينما الأكراد ما يزالون مستمرين في نهجهم الانفصالي، وهم لن يكترثوا بممحاكات المالكي الكلامية، ومن هذا النهج، يمضون فعلاً الى تصعيد الإجراءات التي تخدم مأربهم الى حال شبه دولة مستقلة في شمال العراق، مؤكدين أنهم يستخدمون الآن استراتيجية الديبلوماسية الناعمة مع تهديدين كبيرين لهم من تركيا وإيران، وفي الوقت نفسه يتجلى للمراقبين ان إصرار الأكراد على فرض سيطرتهم على كركوك لا يرتبط فقط بقضية النفط والغاز فيها على الرغم من أهمية ذلك، إنما يرتبك بمخاوفهم التاريخية المستمرة من وجود حكومة قوية في بغداد، ولا سيما إذا ما تلاشت النزاعات بجلاء الاحتلال، ولهذا فإنهم يسعون الى جعل كركوك نقطة ارتكاز وقوة سياسية أيضاً، لكي يكون لهم دور فعال ومستمر في التأثير بقرارات الحكومة العراقية مستقبلاً في حال تبدل الظروف الراهنة.
وفضلاً عن كون قضية كركوك قضية عراقية وإقليمية مهمة، فإن وضع كركوك المستقبلي يمس جميع القضايا الأخرى تقريباً والتي يمكن أن تقسم العراق ويضمنها طبيعة الفيدرالية الانفصالية، علاوة على قدرة الأكراد في هذا الطرف على إبقاء (التشريعات) وعلى الرغم من هشاشتها، رهينة بحل يتعلق بمآربهم في السيطرة على كركوك وجعلها عاصمة لكيانهم الانفصالي في شمال العراق.
() كاتب من العراق
"المستقبل"



















