لم تصبنا الدهشة والاستغراب مما ذهبت إليه الصحافة الإسرائيلية في تغطيتها وتعليقها على اللقاء الذي جمع أمس الأول الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن الابتسامات عادت إلى المكتب البيضاوي وإلى حديقة البيت الأبيض، ذلك أنه لم يكن يومًا هناك ما يعكر صفو العلاقات بين الحليفين الأميركي والإسرائيلي.
بل إن هذه العلاقات لم تشهد تطورًا وزخمًا ومتانة أكبر عن ذي قبل وخاصة في العشر سنوات الأخيرة، ولم تنل مسيرة السلام إلا إدارة الظهور والضرب على رؤوس الساعين إليه بمطارق المراوغة والخداع. وكأن الإعلام الإسرائيلي يريد إجبارنا على تصديق بأن هناك خلافًا حقيقيًّا بين الحليفين حول سرطان الاستيطان، وأن أركان الإدارة الأميركية يتقدمهم الرئيس أوباما شخصيًّا يتمترسون عند موقفهم الرافض لالتهام ما تبقى من الأرض الفلسطينية.
طبعًا مثل هذه الأوهام يمكن أن تساق لمن يعانون من خلل في رؤاهم، أو لأولئك الذين لا يزالون يغطون في سبات عميق وسط تلاوين متعددة من أحلام السلام، وأن ثمة مساعي سلام حقيقية وجادة تقودها الولايات المتحدة هذه المرة، ولذلك لا بد من استمرار المراهنة على هذا الدور حتى النهاية، وأن القوة العظمى وراعية السلام ترفل حاليًّا في أثواب سياسة معتدلة ومهادنة طلقت لغة الحروب والدمار بالثلاث، وتعتمد الدبلوماسية عقيدة في تسيير دفة العالم ومن أجل القبض على صولجان السلطة العالمية.
إن لقاء أوباما ـ نتنياهو كان مسكونًا بجنون الدفاع عن السياسة الإسرائيلية وإطلاق القذائف من فوهات مدافع البيت الأبيض متوعدة بالويل والثبور وعظائم الأمور لكل من ينبس ببنت شفة عن أن الكيان الإسرائيلي يمتلك برنامجًا نوويًّا، فالكلام عنه محرم يجب أن تقطع كل لسان تأتي على ذكره تلميحًا أو تصريحًا، وعلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن لا تستهدف الكيان الإسرائيلي في مؤتمرها الدولي حول شرق أوسط خالٍ من السلاح النووي والذي تزمع عقده في سبتمبر عام 2012..
لماذا؟ لأن ـ حسب أوباما ـ أي محاولة لاستهداف "إسرائيل" ستجعل آفاق عقد مثل هذا المؤتمر بعيدة الاحتمال، ونظرًا إلى حجمها وتاريخها والمنطقة التي توجد فيها والتهديدات التي تواجهها، فإن "لإسرائيل" متطلبات أمنية استثنائية.
وتحت هذا الجحيم من نيران الكذب والنفاق احترقت كل المؤشرات الحقيقية الإيجابية لا سيما الحدود والأمن التي ينتظرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الجانب الإسرائيلي للبدء في المفاوضات المباشرة، فالحديث عن مطالبة الرئيس الأميركي لنتنياهو بمواصلة مهزلة تجميد الاستيطان لم يتم، وأي نقاش حول قضايا جوهرية تمس المفاوضات المباشرة أو تمهد للانتقال إلى المباشرة أو تتمحور حول رؤيته لحل الدولتين لم يَدُرْ، في حين أن وتيرة الاستيطان تسير على أشدها وتتوالى مشاريع سرقة الأرض الفلسطينية التي هي استفزاز حقيقي يؤثر بشكل مباشر على المفاوضات. فيا ترى كيف ستكون الأحوال إذا ما وافق الفلسطينيون على الانتقال إلى المفاوضات المباشرة دون ورودهم أي إشارات إيجابية إسرائيلية؟
خلاصة القول إن الأميركيين باتوا مقتنعين بأن الظهر العربي غير قادر على الانتصاب وسيظل كما هو أعوج وبحاجة دائمة إلى عكاز أميركي يسنده حتى يستطيع الوقوف وليس السير، ولذلك فما فائدة الإخلال بالعلاقات مع الحليف الإسرائيلي في ظل وجود ظهر عربي عاجز؟ وبالتالي يحق للإعلام الإسرائيلي أن يعنون صفحاته وعناوين نشراته بالخطوط العريضة وبالفم المليء "قمة أوباما نتنياهو: باقات زهور ولا كلمة عن المستوطنات".
الوطن




















