رنده حيدر
حتى الآن لم يصدر أي تعليق اسرائيلي رسمي على الوثيقة السورية الأخيرة التي وضحت الخط الحدودي الذي يجب أن يفصل بين سوريا واسرائيل بعد الانسحاب من الجولان. كما لم تصدر أي ردود فعل على الكلام السوري عن احتمال التوصل الى اتفاق للسلام في العام المقبل في حال جرى الإتفاق على خط الحدود المشار اليه، والذي على ما يبدو يجعل كل الشاطىء الشرقي لطبريا تحت السيادة السورية، وهو موضوع كان مثار جدل وخلاف كبيرين بين الطرفين وكاد ينسف كل المفاوضات أيام حافظ الأسد.
قد يكون من بين الأسباب العديدة التي دفعت القيادة السورية الى ارسال الوثيقة الآن، على الرغم من توقف المفاوضات غير المباشرة التي ترعاها تركيا بين اسرائيل وسوريا بسبب الدعوة الى انتخابات اسرائيلية مبكرة، وسحب التفويض من يد رئيس الحكومة الاسرائيلي الحالي ايهود أولمرت لإجراء مفاوضات ملزمة في ظل التحقيق معه في قضايا فساد، هو تثبيت حقيقة أساسية لحصيلة جولات التفاوض غير المباشر التي حصلت، اي موافقة أولمرت على الانسحاب الشامل من هضبة الجولان مقابل السلام الشامل مع سوريا.
فكأنما ارادت سوريا أن تلزم الحكومة الإسرائيلية المقبلة بمسائل نهائية تتعلق بموضوع التفاوض معها منعاً لأي تراجع اسرائيلي عما يمكن ان يكون قد تحقق حتى الآن. كما قد يكون من بين الأسباب محاولة سوريا جذب الانتباه الى موضوع الجولان وطرحه على جدول الأعمال الانتخابي للأحزاب المتنافسة في اسرائيل، واعادة تحريك الركود والجمود الكاملين اللذين أديا الى توقف المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين.
وعلى الرغم من الأهمية السياسية الكبيرة التي توليها اسرائيل لمسألة التفاوض مع سوريا وصولاً الى امكان التوصل الى اتفاق سلام معها وانعكاسات ذلك على الوضع الاقليمي؛ فإن هذه المسألة لا تشكل حتى الآن، أي قبل أقل من شهرين على موعد الانتخابات، موضع اهتمام اسرائيلي حقيقي. فالأولوية ما زالت معطاة للخطر الإيراني وللموضوع الاقتصادي وللوضع الأمني في غزة.
من الصعب على الأحزاب الإسرائيلية في زمن الانتخابات تسويق فكرة السلام مع سوريا من دون التطرق لموضوع مستقبل المستوطنات اليهودية في الجولان. ومن الصعب أيضاً اقناع الناخب الاسرائيلي بفائدة القيام بانسحابات اسرائيلية جديدة من الجولان من دون أن يتذكر هذا الناخب نتائج الانسحاب من غزة. صحيح أن التسوية مع سوريا أقل تعقيداً بكثير من التسوية مع الفلسطينيين، ولكن اي قرار تتخذه اي حكومة اسرائيلية بالانسحاب من الجولان يجب أن يحظى بأكثرية ثلثي أعضاء الكنيست ويجب أن يطرح على الاستفتاء العام بحسب قانون أقره الكنيست في التسعينات وذلك لمنع الحكومة من الانفراد في اتخاذ قرار بمثل هذه الخطورة.
أبعد من ذلك في حال فوز الليكود برئاسة الحكومة من المنتظر أن تتحول أحزاب اليمين القومي في اسرائيل الى الجهة المقررة لتوجهات الحكومة الاسرائيلية بغض النظر عن تركيبتها. ومن الصعب أن نرى حزباً مثل “اسرائيل بيتنا” الذي يتزعمه أفيغدور ليبرمان يوافق بسهولة على الانسحاب من هضبة الجولان واقتلاع المستوطنات اليهودية هناك. هذا كي لا نتحدث عن تكتل الأحزاب الدينية القومية الجديد “البيت اليهودي” الذي يخوض الانتخابات تحت شعار تصحيح الخطيئة التي ارتكبها شارون بانسحابه من غزة. فاذا كان بنيامين نتنياهو سيلتزم القرار الاستراتيجي الذي اتخذته اسرائيل في ظل حكم “كاديما” بالتجاوب مع الدعوات السورية لمعاودة المفاوضات، وسيبدي تعاونه مع الادارة الأميركية الجديدة التي تتبنى الحوار مع سوريا، فإن هذا لا يعني سلفا الانسحاب من الجولان.
تدرك اسرائيل ان تغيير المعادلة الاقليمية وموازين القوى واضعاف إيران سيكون بدفع الثمن “المؤلم” في الجولان، كما تدرك أن التقارب الأميركي السوري المرتقب قد يخلق المزيد من الضغوطات عليها للتنازل عن الهضبة. لكن الأحزاب في اسرائيل لا تريد أن يكون الجولان الموضوع الأول على جدول أعمالها.
“النهار”



















