كان كبيراً بكل ما للكلمة من معنى، وصاحب قلب كبير بكى فأبكى، ورجل دولة من الطراز الأوّل.
بكى مرّتين ولم يستطع حبس دموعه فأعانه التصفيق للحظات لكي يستطيع لملمتها وإكمال الخطاب الذي اعتبر بكل موضوعية بأنه خطاب تاريخي سيؤسس لمرحلة جديدة.
جاء الخطاب في لحظة سياسية، لبنانية وعربية بالغة الأهمية والحراجة والدقة، فهذه اللحظة مثقلة بالملفات التالية: المحكمة الدولية والقرار الظني، والوضع في الجنوب، العلاقات مع سوريا.
في كل هذه الملفات بدا الرئيس سعد الحريري في ذروة الجرأة والشفافية، كان في قمة الوفاء للرئيس الشهيد حين اختصر مسيرته بالقول فيه انه (خاض الحرب ضد الحرب)، ثم أكمل في توصيف المرحلة التي سبقت الاغتيال فذكّر بأن (الظلم وقَعَ علينا).
ومن الماضي انتقل الرئيس الشاب الى الحاضر وارتباطه بالمستقبل فدعا (الى التهدئة والابتعاد عن الانفعال) معلناً ان (لا مكان في قاموسنا الوطني لهذه المخاوف من الفتنة).
دخل في عمق الهواجس والمخاوف بالنسبة الى موضوع المحكمة فأعلن بكل حزم وحسم ان (القضية بالنسبة الينا هي حماية مجريات العدالة وسنمنع الفتنة من النفاذ الى وحدتنا الداخلية).
اذا كان هذا الجزء من الخطاب قد ركّز على الراهن من التطورات، فماذا عن العلاقة مع سوريا? لقد اختصرها الرئيس الحريري بالحديث عن (الايجابية التي يلاقينا بها الرئيس الأسد). هذه الكلمة على رغم ايجازها فانها تعني ان العلاقة بين لبنان وسوريا عادت الى ما كانت عليه من استقرار، رغم كل ما يُقال ويُحاك ضد تلاقي الدولتين.
ثم يصل الرئيس الحريري الى بيت القصيد في ما خصّ تيار المستقبل، فيُعلن بما يُشبه الاطمئنان للبنانيين من ان (تيار المستقبل لن يحمل هوية مذهبية، وسيكون على صورة لبنان).
قال كلمته لكنه لم يَمشِ بل بدا ثابتاً في موقعه، لكن أهم ما في هذا الخطاب ليس ما ورد فيه بل روحيته التي طمأنت اللبنانيين من ان لا فتنة في لبنان مهما حاول النافخون في نار الحقد والكراهية أن يبثوا سمومهم. فالرئيس الحريري اتخذ قراره، وهذا يعني ان أكبر تيار في لبنان لن ينجرف الى هاوية الفتنة بل سيقف في وجهها وسيعمل وفق وصية الرئيس الشهيد (الحرب على الحرب)، فيُعدّلها من دون المس بالجوهر لتصبح (الحرب على الفتنة).
لكن اذا كان موقف الرئيس الحريري رجل الدولة المسؤول والواضح والوطني لن يفهم بملاقاته من أجل صيانة لبنان وحمايته لوأد الفتنة في مهدها فلن ينفع شيء، ونبدو أطرافاً متصارعين ضد قيام الدولة المتماسكة التي تنعم بالاستقرار والنمو والتطور.
الانوار




















