لماذا نجحت تجربة الديموقراطية في الغرب وتأخرت في العالم العربي؟ تبدو الإشكالية المطروحة شديدة الكلاسيكية، إذا ما تمت مقارنتها بالتحولات التي يشهدها النظام السياسي العالمي، خارج المجال العربي؛ وفي الوقت الذي يتحرى البحّاثة الغربيون عن مآلات ما بعد الحداثة، ما زالت الأنظمة العربية، ومجتمعاتها المأزومة تعيش أسئلة البحث عن الديمقراطية ومآذق التعددية السياسية وحرية الرأي.
"نحو كتلة تاريخية ديموقراطية في البلدان العربية" عنوان يتصدى لأزمات بنيوية عميقة الجذور في بيئتنا، يترصد فيه مجموعة من الكتّاب العرب لسياقات الكتلة التاريخية وتجلياتها، وفقاً للمفهوم الذي صاغه كل من أنطونيو غرامشي والعلاّمة الراحل محمد عابد الجابري؛ لماذا الدعوة الى كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية؟ يتساءل علي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي في دراستهما المشتركة.
إصطلاحياً، حدد غرامشي مفهوم الكتلة التاريخية على قاعدة الجمع بين الفئات الهادفة الى تحقيق التغيير والاصلاح، بغية إحداث التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الكفيل بالوقوف أمام التوتاليتارية المتمثلة عنده بالفاشية، أما الجابري فقد عمل على "تبيئة فكرة غرامشي وتكييفها مع المغرب والأقطار العربية" ضمن ثنائية التحرر من الاستعمار، وبناء علاقات اجتماعية متوازنة. والحال ما الذي عرقل نشوء الكتلة التاريخية المنتجة للديموقراطية؟ أزمة المجتمعات العربية متعددة الجوانب، ففشل المشروع الاصلاحي بتياراته القومية والماركسية وحتى الإسلامية، أنتج حالة من الانسداد البنيوي، والأنظمة العربية تتجه نحو مزيد من التوريث مما أجهض تجارب التعددية، والأهم من هذا كله أن العرب، لم يمروا بدورة الانتاج الديمقراطي والثقافي، فبقي البعد السلطاني بما يحمله من إرث تاريخي، امتد لقرون، يفعل فعله في الاجتماع السياسي، والأخطر من كل هذه العوامل، استقالة العرب من التاريخ، وإحالة انكساراتهم الى عناصر ميتا تاريخية، تخرج العقل من دائرة الواقع.
من العام الى الخاص، وبعد أن رسمت الدراسة الاولى السبل الآيلة، لبناء "الكتلة التاريخية" وأهدافها وأطرافها ومتطلباتها، تطال الأبحاث الأخرى، عدداً من النماذج، لما سمّي بالتكتل الديمقراطي في كل من اليمن والسودان وتونس والعراق وليبيا ومصر.
في الأنموذج اليمني، يبحث عبد الله الفقيه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء، عن المحاولات والمعوقات والشروط المطلوبة لابتناء تجربة ديمقراطية فاعلة في اليمن، وذلك عبر عدة سياقات، أولها، السياق التاريخي، الذي تجلى بإستحضار التجارب الديمقراطية منذ قيام الوحدة عام 1990 حتى محاولة إحياء الديمقراطية في الأزمنة الراهنة، وهي المرحلة التي يراها الكاتب بأنها الأنضج؛ ثانيها، بروز قناعات لدى القوى السياسية إثر تجاربها الماضية، بضرورة تغيير النظام الاستبدادي؛ ثالثها، التأسيس للقاء المشترك الذي جمع بين الأحزاب اليمنية عام 2002، وما نتج عنه من قناعة بأهمية الاصلاح السياسي والوطني الشامل.
منتقداً، مفهوم الارادة أو توفر عملية أدلجة لتمظهرات الديمقراطية، يخلص عبد الوهاب الأفندي، الذي تطرق الى أزمة النظام السوداني، الى أن "الديمقراطية ليست وليدة الضرورات الضاغطة، بل هي حالة وليست منتجاً ثقافياً أو بضاعة ايديولوجية"، مما يستوجب وجود بيئة سياسية مستقرة قائمة على التوازنات بين الأطراف، الأمر الذي ينتج المؤسسات الآيلة لدعمها. لم يكن السودان بعيداً عن تجربة الديمقراطية، فالبيئة السودانية كما ينوه الافندي، مؤهلة لامتصاص التعددية على المستويين الشعبي والحزبي، لكنها لم تستطع إدامتها، فلماذا تعثرت هذه التجارب رغم توفر مثل هذا الدعم من قبل الكتل السياسية؟ التنوع الديموغرافي، والديني والسياسي، والعرقي، وتفشي القبلية عرقل تثبيتها كما يؤكد الافندي، وإذا نظرنا الى الفسيفساء السودانية، لوجدنا أكثر من 245 قبيلة و 134 لغة مختلفة، فهل معنى ذلك أن التعدد يشكل دليلاً على العنف السياسي؟ أو أنه يبدي ممانعة لعقل الدولة المنبثقة أصلاً من التجربة الديمقراطية؟ ولماذا لا ينتج التعدد الوحدة الوطنية؟ لا تقدم الحالة السودانية ، ما ينفي صحة الأسئلة المطروحة، ورغم ذلك، يورد الأفندي البدايات التاريخية لتشكل الكتل الديمقراطية في السودان، بدءاً من الحركة الوطنية مطلع العشرينات، وصولاً الى إنقلاب 1989 وما نتج عنه من توجهات سياسية تنادي بالديمقراطية، التي تشكل في رأينا إحدى أبرز آليات ضبط الصراع بين الجماعات.
أزمة الديمقراطية في العراق، لا تقل إنغلاقاً عن السودان واليمن، ورغم تركيز سعد ناجي جواد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، على اعتبار مفهوم "الكتلة التاريخية" مفهوماً مفارقاً للواقع العراقي، بسبب طوباويته أولاً، ودعوات بناء الحكم الإسلامي ثانياً، والمعوقات البنيوية ثالثاً، لكنه لا ينفي ارهاصات الديمقراطية في تاريخ بلاد الرافدين، منذ ثورة 1920 ضد الاحتلال البريطاني، وصولاً الى الحرب العراقية – الايرانية، التي تشكل مهمازها الأهم، فلم تظهر حينها أي دعوات للانفصال أو الفيدرالية، مما يعني أن الديمقراطية ترتبط بعوامل مختلفة، فاقم الاحتلال الاميركي من عرقلتها، ولعبت المعطيات الداخلية، دوراً محوراً في إيقاف وتيرتها، بسبب عدم إيمان الاطراف السياسية بالعلمية الديمقراطية، وضعف مركزية الدولة مقابل قوة الأطراف، وغياب القيادات التي تمثل شريحة كبيرة من العراقيين.
هل تكفي الكتلة التاريخية لتثبيت دعائم الديمقراطية في العالم العربي المأزوم؟ لم تعالج الاطروحة بين ايدينا هذا التساؤل المحوري، فالجواب الديمقراطي، لا يكفي وحده لاجتراح الحلول، فحجم المأذق يتعدى وجود كتلة تاريخية، تقاوم الاستبداد، واحتكار السلطة؛ والتأخر الحضاري الراهن، أو الانسداد التاريخي، كما يصنفه هاشم صالح، مرتبط بمؤشرات متبادلة من الناحية الوظيفية؛ فالذهنية عندنا على سبيل المثال، ذهنية اعتقادية، لا تحاكي الواقع ضمن المبدأ الديكارتي، ويأتي استحضار الدين ليقدم أجوبة غيبية عن انغلاقات تاريخية، متأسسة على عنف السلطة، والوهم الديني، الآخذ في التمدد على وقع ذهنيات لا تكرس سوى منطق الإرجاء، والكفّ عن مساءلة الواقع العربي المضطرب.
[ الكتاب: نحو كتلة تاريخية ديموقراطية في البلدان العربية
[ الكاتب: مجموعة من الباحثين
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010
"المستقبل"




















