يجري الاستفتاء في جنوب السودان بعد خمسة أشهر، حيث يختار سكان الجنوب إما الانفصال عن جمهورية السودان (الدولة الأم)، أو استمرار الوحدة، أو الاتحاد، أو أية صيغة أخرى تُبقي الجنوب في صلب الدولة السودانية يشاركها المستقبل والمصير.
وسيكون لنتائج الاستفتاء ـ في حالتي الانفصال أو استمرار الاتحاد ـ تأثير مهم جداً، ليس في مستقبل الدولة السودانية وحدها، بل في مستقبل عدد كبير من دول إفريقيا جنوب الصحراء، لأن الظروف التي توافرت في جنوب السودان وفي الدولة السودانية المركزية، هي نفسها المتوافرة في معظم دول إفريقيا الغربية والوسطى والشرقية.
وستكون نتائج الاستفتاء في حال الانفصال، سابقة قد تستند إليها وتلجأ إليها بعض الدول الإفريقية الأخرى لتقرير مصيرها من جديد، خاصة أن معظم الدول الإفريقية تحتضن تناقضات مثلما يحتضن السودان، وبالتالي فإن الأسباب الموجبة لما يجري في السودان، هي نفسها قائمة في هذه الدول.
وستصبح الحركات الانفصالية في دول إفريقيا، ذات مشروعية ومن حقها المطالبة بالاستفتاء حول تقرير مصير من تمثله، وينهار بالتالي العرف الذي قبلته دول إفريقيا قبل خمسين عاماً، والقاضي باعتبار الحدود التي أقرت زمن الاستعمار، حدوداً نهائية لا يجوز المساس بها.
ولعل خطورة انفصال جنوب السودان أنه ينسف هذا العرف ويلغيه، ويفتح الأبواب على مصاريعها لبدء تشكيل دول إفريقية جديدة، بحدود جديدة وأنظمة جديدة، قد يصل عددها إلى سبعين دولة، وهذا ما كانت تخشاه الدول الإفريقية جميعها خلال نصف القرن الماضي.
يتشكل معظم دول إفريقيا من أقليات عرقية أو دينية أو قبلية أو إثنية، أو من أكثرية تهيمن على أقلية أو أقليات تؤسس مجتمعة دولة، وقد كانت جميعها تقريباً ـ باستثناء ليبيريا التي استقلت مبكراً ـ مناطق مستعمرة، شكل منها المستعمر الأوروبي دولاً حدودها تنسجم مع مصالحه، ومعظمها حدود اصطلاحية، تضم تناقضات عدة، منها مثلاً أن سكان إفريقيا يتكلمون ألف لغة (وتعتقد اليونسكو أنها ألفا لغة)، كما ينحدرون من عشرات القبائل المتجاورة والمتناقضة غالباً، تعيش حسب تقاليدها المحلية الراسخة منذ مئات السنين.
ولسوء الحظ لم تقم أنظمة ديمقراطية في هذه الدول بعد الاستقلال، لتتمكن من توحيد سكان الدولة حول مفهوم المواطنة كمرجعية وحيدة وأساسية سابقة لكل مرجعية أخرى وأقوى منها، ولم تُطبق مفاهيم الدولة الحديثة، كالمساواة والعدالة والحرية وتداول السلطة وغيرها، فضاعت فرصة صهر أبناء البلد الواحد في بوتقة واحدة، ما وفّر الشروط للحروب الأهلية والعصيان، والإبادة الجماعية التي حصلت في بعض هذه الدول، وأخص منها الكونغو، ورواندا، وبوروندي، وسيراليون، وليبيريا، والسودان، وساحل العاج وغيرها، وذهب ضحيتها ملايين القتلى.
وأدت إلى إفقار مجتمعات هذه الدول وزيادة آلامها وانتشار الأمراض والأمية فيها. فقد بلغت نسبة من هم دون خط الفقر في البلدان الإفريقية جنوب الصحراء، أكثر من 50%، وفاقت الأمية 80%، وندر توافر المياه، أو الطرق المعبدة، أو مشاريع الصرف الصحي، وينقصها الآن كل شيء وفي كل المجالات.
وقد استمرت أغلبية الأنظمة السياسية بعيدة عن أن تكون رشيدة أو ديمقراطية، وزاد الفساد وتفشى، وانتُهكت حقوق الإنسان، وقد أفاض تقرير التنمية البشرية الذي صدر عن الأمم المتحدة، في وصف المصائب التي يعيشها سكان هذه الدول، بما لا يكاد يصدق.
استعمر الأوروبيون دول إفريقيا بعد تطور الصناعة الأوروبية ونجاح الاكتشافات الجغرافية، وبدء السيطرة على التجارة الدولية وطرقها، أي منذ قيام النظم الرأسمالية ونمو الاحتكارات، وكانت هذه البلدان من نصيب فرنسا وإنجلترا، باستثناء أنغولا وموزمبيق اللتين كانتا من نصيب البرتغال.
وبعد أن أصبح استمرار الاستعمار يشكل عبئاً على المستعمر، بسبب المقاومة الوطنية المطالبة بالاستقلال، وطبيعة النظام العالمي المستجد بعد الحرب العالمية الثانية، وتنامي قوة حركات التحرر الوطني، وبروز قوة الاتحاد السوفييتي، ودور مصر في مساعدة حركات التحرر الإفريقية، إضافة لأمور أخرى..
بعد هذا، انسحب المستعمرون تباعاً منذ نصف قرن، وأعلنت هذه الدول استقلالها، دون أن تُقام النظم السياسية القادرة على صهر المواطنين في بوتقة المواطنة، وتحقيق التنمية الجادة، والقضاء على الفقر وسوء التغذية، وإقامة البنية التحتية الضرورية، ما أدى إلى الفقر والتخلف، والهشاشة المجتمعية والاقتصادية والثقافية.
ولم تلتزم الدول المستعمرة بعد انسحابها بأي التزام تجاه مستعمراتها السابقة، لا مادياً ولا معنوياً، بل أخذت تعمل لتجعلها جزءاً من استراتيجيتها الكونية، وزبوناً لشراء السلاح منها، وسوقاً لمنتجاتها.
أمام هذا «الفراغ»، ولنقل أمام احتياجات الدول الإفريقية لمن يساعدها في تحقيق التنمية ومواجهة المصاعب الاقتصادية، وبعد أن أخل المستعمر القديم بالتزاماته، دخلت الصين إفريقيا، ووظفت عشرات المليارات في مشاريع كبرى، في السدود، والصناعة، واستثمار المعادن، واستخراج النفط، وبشروط معقولة، وعلى مدى الساحة الإفريقية كلها، فأصبحت الصين هي الأقوى في هذه القارة، من الناحية الاقتصادية على الأقل.
وتحاول إيران الآن تقليد الصين، واحتلال موطئ قدم في هذا البلد الإفريقي أو ذاك، كما حاولت إسرائيل من قبل فعل ذلك، وحققت نجاحات وما زالت تحاول وتعمل وتستثمر وتنجح (تبلغ صادراتها إلى الدول الإفريقية مليار دولار سنوياً).
أما مصر، التي كانت يوماً عاصمة إفريقيا دون منازع، فقد تراجع دورها وكأنه رحل مع رحيل الرئيس عبدالناصر! وكادت الأجيال الإفريقية الجديدة تنسى دعم مصر ومساعداتها لحركات التحرر الإفريقية قبل الاستقلال، وللدول الإفريقية بعد ذلك، بعد أن طاول هذا الدعم في حينه جميع المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها.
كاتب سوري
odat-h@scs-net.org
"البيان"




















