دمشق – رنا زيد
صوت ضجيج أطفال آت من خلف ستارة المسرح، غالبية الحضور من الكبار، بينما يجلس بعض الأطفال مشدودين إلى ما سيجري بعد رفع الحاجز القماشي بينهم وبين العرض المسرحي التفاعلي «عندي مشكلة». يساهم الطقس الحار في تصاعد الجلبة من الطرفين، فقاعة مدرسة زكي الأرسوزي الحكومية في دمشق لم تُجهَّز لاستقبال أية نشاطات خارج فصل الشتاء، وما زالت مـدفأة العام الدراسي الماضي في مكانها المعتاد.
عامٌ مرَّ على إطلاق مبادرة «المسرح التفاعلي في المدارس الحكومية»، نتج منها عرضان آخران هما «الأمير الصغير» و «اسكتشات»، وشارك في المشروع حوالى 300 طفل وطفلة من سبع مدارس حكومية سورية، أشرف عليهم 25 مدرباً من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، ومن كوادر وزارة التربية، أي أن المدة التي خمَّنتها الأمانة السورية للتنمية لمشروعها الثقافي «روافد»، كانت كافية لما خُطِّطَ له للوصول إلى مرحلة أولى من التفاعل بين الأطفال وأهليهم من جهة، والمسرح من جهة أخرى، ليجري تخريج أول دفعة من المشاركين في هذا المشروع.
أهداف عدة لزج الأطفال السوريين في المسرح، وضعتها ورشة العمل على عاتقها مع توافر خبيرة مسرحية ومديرة فنية للمشروع هي ماري إلياس التي تقول في الكتيب الصغير الذي يُعرِّف بالعروض انها تؤكد فكرة المتعة في المشاهدة: «نريد كتابة مشاهد ممتعة، بل مضحكة ومسلية، ولا نريد أن نقع في الفخ المأسوي». وبالفعل، إن ما عرضه الأطفال الممثلون من المواقف السلبية التي من الممكن أن يتعرضوا لها، كان مأسوياً قليلاً على رغم أن عرض «عندي مشكلة» حاول وضع حلول عدة، من خلال راوٍ صغير أو ما يُسمّى «الجوكر» في العرض المسرحي التفاعلي، عبر طرح أسئلةً على الجمهور لا تُتبَع بجواب في ثلاثة مشاهد عن «العنف بين الأطفال، وعدم فَهْم الأهل لمعنى المسرح والمشاركة فيه، والتمايز الطبقي بين طلاب المدارس الحكومية في سورية».
مواضيع تشد الانتباه، خصوصاً إن أرجعنا المشكلات الحقيقية التي عرضها الأطفال من حياتهم اليومية إلى ما يحدث غالباً معهم وهم أبناء طبقة وسطى، يكاد المسرح ألا يكون معروفاً أو مُشاهداً لديها.
الطفلة لينا الحموي، مثّلت في هذا العرض دور «ميس»، وهي فتاة تصطدم مع جدها الكهل، عند معرفتها بورشة التمثيل المسرحي التفاعلي. ويحاول هذا الجد تشتيت انتباهها ليصرفها عن المشاركة، ويضع الحجج المقنعة والواهية، ليصدها عن دخول الورشة، بذريعة واجباتها المدرسية، أو بغرابة اقتراحها، إذ لا يتناسب التمثيل مع أفكاره التقليدية. وهنا طرح الطفل محمد قليح المشكلة بصفته راوياً، لكن الحضور من الكبار امتنعوا عن التفاعل معه، أو طرح إجابات، واكتفى بعض الأطفال من الحضور بمحاولة الخروج تباعاً من بين صفوف الجالسين لإقناع الجد بشتى الوسائل الطفولية، إلا أن تلك البراءة لم تمنع من بقاء مشكلة كهذه سبباً في عرقلة المشروع، تُضاف إليها الرقابة التي مارسها بعض المشاركين في المشروع من وزارة التربية، إذ يعجزون حتى الآن عن فهم «المسرح» والجدوى منه لأطفال في بداية تَشكُّل ذواتهم!
وعلى رغم بقاء بعض الأسئلة المُلِحَّة عالقةً في مشروع المسرح التفاعلي من القائمين على المشروع ومن الأطفال أنفسهم، إلا أن المتعة التي ذكرتْها إلياس، كانت موجودة على نحوٍ ساخر وتحريضيّ، خرج كل طفل ومعه نحو مئة حل لمشكلة عويصة، أو لعناد المجتمع حول البديهيات.
عرض «اسكتشات»، حاول هو الآخر، من خلال أصوات الأطفال وأدائهم، أن يُخرِج طفلةً اسمُها فاطمة من لعبة الذكورة وتمجيدها التي يتبنّاها بعض الأهل والآباء، مُتْبِعينَ الأذى النفسيَّ بآخر اجتماعيٍّ، حين يحاول أبو فاطمة إخراجها من المدرسة على رغم تفوقها.
أما «الأمير الصغير» فحاول المُدرِّبون فيه أن يُخرِجوا عرضاً مسرحياً متكاملاً بلهجة عامية، ويبدو الطفل فخر الدين محمد متحمساً لدوره في العرض، قائلاً قبل أي سؤال: «هل تعرفين؟ أنا الأمير الصغير».
وعلى رغم محاولة أصدقائه التشكيك في أنه أميرٌ حقيقيٌّ، إلا أنه بقي جالساً ومنشداً إلى ما سيُقدِّمه أصدقاؤه الأطفال في عرض آخر سبق تقديمه، وطفل آخر اسمه مجد عواظة، يُعرِّف بنفسه ودوره قبل أي سؤال أيضاً: «أنا حامل رسالة الأمير».
"البيان"




















