ليس أمام الرئيس أبو مازن، غير أن يرفض علنا اللعبة التي يفضّل بعض الرسميين العرب إدارتها في الخفاء، والتي تجري فصولها كلّ مرة تحت عنوان خادع: نقبل بما يقبل به الفلسطينيون.
ليس أمام الرئيس أبو مازن متسع طويل من الوقت، ولا مساحة كبيرة للحركة، فالرئيس الأميركي باراك أوباما عاد بسرعة للخيار الأسهل وهو تحميل الطرف الفلسطيني مسئولية انسداد أفق عملية السلام، بل إنه قد أعلن صراحة تخليه عن سياسة "العصا والجزرة" ملوّحا بالعصا في وجه الطرف الفلسطيني عبر تهديد واضح، صريح، ومباشر بأنه لن يقبل رفض المفاوضات الماشرة.
هو استحقاق طال، بل لعلّه بسبب ذلك خلق باستمرار فرصة أمام بعض الرّسميين العرب لتبنّي الخيارات الأميركية، وتقديمها للطرف الفلسطيني باعتبارها خيارا وحيدا وقدريا، دون أن ينسوا أن يعلنوا لوسائل الإعلام أنهم تركوا للطرف الفلسطيني أن يقرّر بحرية.
لم يبق غير أن يعلن الطرف الفلسطيني، وبحرّية حقا أنه لا يقبل العودة للمفاوضات المباشرة دون توفير شروط الحد الأدنى للتفاوض، كي لا نقول الحد الأدنى للسلام.
أعتقد أن كعب أخيل السياسية الفلسطينية وحتى العربية أنها لا تتخيل الاختلاف مع السياسة الأميركية، وترتعب من مجرّد وروده كخاطر في أذهان الساسة وأصحاب القرار، انطلاقا من حقيقة أن أميركا هي القوّة العظمى الوحيدة في عالم اليوم. الساسة الفلسطينيون والعرب، لا يخطر ببالهم أن هذه القوة العظمى ليست دولّة كليّة القوى، بل هي غارقة في مستنقعات متعدّدة، تبحث لنفسها فيها عن مخرج أو حل، وعلى العكس تماما من حالتها في بلادنا، لسبب بسيط هو قبولنا المسبق بالانحناء أمام السياسة الأميركية والرغبات الأميركية حتى دون اختبار الرّفض وفحص مدياته الممكنة.
ليس ما ندعو اليه هنا دفعا للقيادة الفلسطينية نحو سياسات مغامرة، أو خطوات طائشة، بل على العكس دعوة لاستثمار أوراق الحل، والتي نعتقد أنها كانت ولا تزال في أيدينا لو أحسنّا فعلا استخدامها، شرط النأي بها عن تياري الفشل السائدين، تيار الرفض العدمي، وتيار التسليم بالشروط والرغبات الأمرييكية.
ثمة دائما خيار الواقعية، وهو هنا وضع الولايات المتحدة أمام الحقيقة والتمسك بشروط جدّية لمفاوضات جدّية، ولندرك ولو مرّة أن التسوية هي أولا وقبل أي شيء آخر مصلحة أميركية لسياسة أميركية مرتبكة، بل متعثرة، ولا تتحمّل مزيدا من الفشل.
" المستقبل "




















