احتفلت فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة يوم أمس بانتهاء ‘اتفاق التهدئة’ رسمياً باطلاق مجموعة من الصواريخ على مستوطنة سديروت الاسرائيلية مع تعهد بالتصدي لأي اجتياح اسرائيلي للقطاع.
انتهاء الاتفاق المذكور دون أي محاولات لتجديده أو تمديده من قبل الجهات الثلاث المعنية أي ‘حماس’ واسرائيل علاوة على الوسيط المصري الراعي الحصري له، لم يكن مفاجئا للكثيرين، لان الالتزام به لم يكن كاملاً، فقد تخللت الأشهر الستة الماضية من عمره اختراقات عديدة، خاصة من الجانب الاسرائيلي.
الفترة المقبلة ستكون بمثابة ‘فترة اختبار’ حيث سيعمل كل طرف على تقويم ومراقبة رد فعل الطرف الآخر. فالاسرائيليون سينتظرون بضعة أيام لمعرفة ما اذا كان اطلاق الصواريخ سيستمر ، وفي أي اتجاه قبل أن يبلوروا طبيعة ردهم وحجمه، وفصائل المقاومة، وحركة ‘حماس’ على وجه التحديد، ستراقب كيفية تعامل الاسرائيليين مع مسألة المعابر، وما اذا كانوا سيلجأون إلى تخفيف اغلاقها، ومرور المواد الضرورية من وقود وطعام ودواء، أم انهم سيحكمون الاغلاق، لتجويع أهل القطاع مجدداً.
فترة الاختبار هذه قد لا تطول، فالموقف متفجر، والاستعدادات للمواجهة في قمة ذروتها في الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، ويعكس الصمت الرسمي المصري شعوراً بالتواطؤ، أي التواطؤ مع أي خطوة اسرائيلية متوقعة لاجتياح القطاع، وتجلى هذا الموقف الرسمي المصري في أبلغ صوره من خلال تصريحات الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة الشؤون الخارجية، في مجلس الشعب المصري (البرلمان) التي قال فيها ان حكومة بلاده لن تسمح مطلقاً بقيام امارة اسلامية في غزة، وأخرى مماثلة لشيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي التي قال فيها ‘واحنا مالنا ومال حصار قطاع غزة’ في رد له على الحملات الاعلامية التي استهدفته بعد مصافحته العلنية للرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس.
من الواضح ان الحكومة المصرية نفضت يدها من مسألة الوساطة بين طرفي الأزمة، أي حماس واسرائيل، ولا تريد ان تلعب دور الوسيط الذي مارسته طوال الأعوام الماضية، سواء لتمديد اتفاق التهدئة، أو للافراج عن الأسير الاسرائيلي جلعاد شليط، الأمر الذي يعزز احتمالات المواجهة العسكرية، وسقوط العشرات من الأبرياء الفلسطينيين، وتشديد أكبر للحصار على مليون ونصف المليون من ابناء القطاع.
القوة العسكرية الهائلة يمكن ان تجتاح القطاع في ايام معدودة، لأن ‘حماس’ ليست دولة، ولا تملك ترسانة اسلحة هائلة، ولكن الثمن المكلف عسكرياً وسياسياً هو الذي يجعل القيادة الاسرائيلية تتردد في الاقدام على هذه الخطوة.
فتقدم الدبابات الاسرائيلية نحو القطاع سيعني اطلاق عشرات، بل ربما مئات الصواريخ على المدن والمستوطنات الاسرائيلية شماله، وصواريخ ‘غراد’ روسية الصنع التي تملكها المقاومة يمكن أن تصل إلى مدينة عسقلان وميناء اسدود. وهي صواريخ يمكن ان تصيب أهدافها بدقة على عكس مثيلاتها محلية الصنع.
والأمر المهم هو عن الخطوة الاسرائيلية، بعد اكتمال الاجتياح، هذا اذا افترضنا انه سيكتمل، وهو احتمال ما زال موضع شك، فهل ستبقى القوات الاسرائيلية كقوة احتلال في القطاع، أم انها ستنسحب، وفي هذه الحالة من سيملأ الفراغ بعد انسحابها، حركة ‘حماس’ التي ستعود اليه مجدداً وأكثر قوة وشعبية في أوساط الفلسطينيين بل والعرب والمسلمين، أم السلطة في رام الله؟
معضلة اسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية مع قطاع غزة، وحركات المقاومة فيه، أعقد بكثير من معضلة ‘حماس’ وحلفائها، لأن خسائر الأطراف الثلاثة الأولى أكبر بكثير من خسائر حركات المقاومة فليس لحركات المقاومة ما تخسره وهي التي اختارت هذا الطريق من أجل الشهادة وليس من أجل مكاسب دنيوية مثل ما تقول ادبياتها.




















