استطاعت «اوبك» أن تسيطر إلى حد كبير خلال عصرها الذهبي خصوصاً خلال السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن المنصرم على السوق النفطية الدولية إنتاجاً وتسعيراً، وحدثت هزتان نفطيتان في تلك الحقبة من التاريخ النفطي، كانت نتيجة الثانية منهما أن كسر سعر النفط حاجز الـ40 دولاراً في النصف الثاني من عام 1979 وهو ما يعادل نحو 100 دولار بأسعار اليوم!
لكن الرياح لم تستمر بهبوبها الدافئ على أسعار نفوط المنظمة، فتلقت الأسعار صفعات متعددة عندما اتحد المستهلكون الكبار ضدها، ودخلت في سباق أسعار محموم مع الدول المنتجة خارج «اوبك»، فخارت قواها وبدأت مسيرة أسعار النفط انهيارها حتى بلغت عام 1986 (7) دولارات للبرميل، وما كان لدى «اوبك» من وسيلة سوى اللجوء إلى معادلة خفض إنتاجها المرة تلو الأخرى!
ففي الاجتماع الوزاري الذي عقد في جنيف في أوائل شهر نيسان (ابريل) 1986 خفضت المنظمة إنتاجها من 16 مليون برميل في اليوم ليصبح 14 مليوناً، فانخفضت حصتها في الأسواق العالمية من أكثر من 35 مليون برميل في اليوم أي 60 في المئة إلى نحو 30 في المئة من الإنتاج العالمي.
كان ذلك الإجراء أمراً لا بد منه في تلك المرحلة الحرجة التي واجهتها المنظمة، لكي تخرج من الأزمة الحادة التي دخلت فيها آنذاك، نظراً الى الانخفاض الحاد في الطلب على النفط وزيادة المعروض من الدول غير الأعضاء في «اوبك».
وبعد صراع في سوق النفط الدولية استطاعت «اوبك» رفع إنتاجها إلى 16.4 مليون برميل في اليوم عام 1989، ثم أصبح الإنتاج في 26 تموز (يوليو) 1990 (22.5) مليون، تماشياً مع مقتضيات نمو الطلب في السوق الدولية للنفط، الأمر الذي جعل «اوبك» تتبنى سعراً إرشادياً يتراوح ما بين 18 و21 دولاراً للبرميل، وبقيت الأسعار على حالها المتدنية حتى انتشلها غزو العراق للكويت في آب (أغسطس) 1990 لترتفع من 12 إلى نحو 36 دولاراً للبرميل، إلا أن الدول المستهلكة للنفط كانت بالمرصاد لـ «اوبك» مستغلة سلاح المخزون الاستراتيجي لتعود قوة الأسعار إلى الخمود تدريجياً حتى بلغت في أوائل 1998(10) دولارات، في جو ساده تجاوز أعضاء المنظمة لحصص إنتاجهم كما أن الدول خارج «اوبك» عملت على إنتاج كل برميل تستطيع إنتاجه، هذا الى جانب انخفاض الطلب على النفط من دول مثل اليابان وغيرها.
وإذا كانت الأسعار بدأت مسيرتها الصاروخية للارتفاع مع احتلال الولايات المتحدة وبريطانيا لأفغانستان والعراق حتى بلغت 147.10 دولار للبرميل، وبلغ إنتاج المنظمة 40 في المئة من الإنتاج العالمي، تماشيا مع نمو الطلب العالمي على النفط ورغبة من المنظمة في الحيلولة دون ارتفاع الأسعار، فإن المبالغة في رفع سقف الإنتاج تركت أثرها السلبي على الأسعار تدنياً سريعاً حتى بلغت 37 دولاراً على رغم أن المنظمة قامت بخفض إنتاجها 1.5 مليون برميل في اليوم، وانخفض الأربعاء الماضي على رغم إعلان المنظمة عن خفضها الجديد الى 40.60 دولار للبرميل بعد أن كان سعر الخام الأميركي 44 دولاراً للبرميل.
إن التحديات التي تعيشها «اوبك» اليوم في ما يتعلق بالأسعار والإنتاج لا تختلف كثيراً عن تلك التي واجهتها المنظمة في أواسط الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم، وكذلك فإن الحلول التي تواجه بها المنظمة تلك التحديات لم تختلف، فالمنظمة لا تملك عصا سحرية تضرب بها للدفاع عن أسعار معتدلة سوى خفض إنتاجها، وهذا ما فعلته في اجتماعها الأربعاء الماضي في مدينة وهران الجزائرية، عندما اتفق الأعضاء الأحد عشر على خفض إنتاجهم بواقع 2.2 مليون برميل في اليوم اعتباراً من كانون الثاني (يناير) المقبل.
والسؤال المطروح هل هذا الخفض (الشجاع) سيوقف انحدار الأسعار الرهيب؟
إن المتتبع لسياسة المنظمة في ميدان عنصري الإنتاج والأسعار يدرك أن المنظمة لن تتمكن وحدها من السيطرة الكاملة على الأسعار ووقف تدنيها على رغم أنها اللاعب الأكبر في سوق النفط الدولية، فهناك الدول خارج «اوبك» وفي مقدمها روسيا والنروج والمكسيك، وكذلك شركات النفط الكبرى، إضافة الى الدول الصناعية المستهلك الرئيس للنفط!
وإذا أضفنا إلى أسباب انخفاض الطلب على النفط زيادة حجم المخزون منه لدى الدول المستهلكة بما يكفيها لمدة 57 يوماً وبرودة المنازلة بين إيران وأميركا وإسرائيل وتحولها إلى حوار مرتقب بدلاً من العصا الغليظة، ناهيك أن بعض أعضاء «اوبك» لم يلتزموا مئة في المئة بحصصهم بل نهجوا البيع من تحت الطاولة وهذا له ضرره البالغ، وقد يؤدي إلى غرق السفينة والتي إذا غرقت فإنها تغرق بالجميع دون استثناء.
ومن هنا يمكن القول إن على «اوبك» أن تتوقع سنوات عجافاً لإنتاجها وأسعار النفط وتدني إيراداتها، وبهذا فإن دولة نفطية كبرى مثل روسيا التي شاركت بوفد رفيع في اجتماع «أوبك» السابق واجتماعها الأخير في وهران وتجري تحضيرات لانضمامها الى «اوبك» يعد تعاونها مع المنظمة مسألة جوهرية، فهي ثاني اكبر منتج ومصدر للنفط بعد السعودية إذ تصدر أكثر من حوالي 4 ملايين برميل في اليوم.
إن دعم روسيا لـ «اوبك» يعد مهماً في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ النفط التي وصفها وزير الطاقة والمناجم الجزائري شكيب خليل بأنها شديدة التشاؤم في ما يتعلق بالطلب. وعلى الجانب الآخر، قال عن روسيا في معرض حديثه عن اجتماع وهران الثلثاء الماضي: نأمل دائماً أن تنضم روسيا الى «اوبك» لأنها ستعطي وزناً خاصاً للمنظمة… وإذا انضمت روسيا لعقد المنظمة ستصبح «اوبك» مسؤولة عن نحو نصف الإمدادات العالمية. وقال نائب رئيس الوزراء الروسي ايغور سيتيشن الذي مثل بلاده في اجتماع «اوبك» الاستثنائي في وهران إن بلاده ربما تقرر في المستقبل الانضمام إلى المنظمة.
إذا أرادت «اوبك» الفوز بالسباق، ونحن نعتقد أنها عقدت العزم على السير نحو هذا المقصد، فمن المهم لها أن تكسب روسيا إلى جانبها في كل مراحل السباق، سواء انضمت إلى المنظمة أم بقيت خارج السرب إلى حين، ويجب ألا يقتصر السعي على طلب دعم روسيا وحدها، بل يجب أن يشمل النروج والمكسيك وهما دولتان مؤثرتان من حيث الإنتاج، كذلك أذربيجان التي أبدت تعاونها مع «الأوبك»، وأعلن وزير الطاقة الذي شارك في اجتماع وهران أن بلاده ستخفض إنتاجها بمقدار 30 ألف برميل في اليوم لدعم قرار «اوبك» الذي وصفه البيت الأبيض بأنه (ينم عن قصر نظر). كما لا ننسى اندونيسيا التي ودعت المنظمة، فهي من الدول المنتجة وتحتاج «اوبك» لدعمها للفوز بالسباق الذي ستطول مسافته، وسيكون الرابح فيه صاحب النفس الطويل الذي استوعب عبر الماضي ودروسه والحاضر ومعطياته، وخطط للمستقبل في ميدان صراع النفط العالمي الشرس.
* مفكر سعودي – رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الاستراتيجية
"الحياة"




















