شهدت الأشهر الأخيرة من العام 2008 العديد من المحطات المهمة للسياسة العالمية عموماً ولروسيا خصوصاً، إذ شكلت قاعدة لانطلاقة العلاقات الدولية الروسية، وفتحت أمامها نافذة تطل من خلالها على الساحة الدولية من موقع المنتصر في حرب القوقاز، وموقع الشريك في إعادة صياغة النظام العالمي الجديد في ظل الأزمة المالية العالمية. أهمها كان لقاء القمة بين روسيا والاتحاد الأوروبي في مدينة نيس، ومؤتمر دول (G 20) في واشنطن. حيث نجحت روسيا في استغلال هاتين المناسبتين للتأكيد على دورها في عملية إصلاح النظام المالي العالمي بصفتها أحد أقطابه الفاعلين، مستفيدة من الأجواء الملائمة لذلك: فالمشكلة مع جورجيا خرجت من دائرة الاهتمام الدولي، في حين أن وتيرة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تتسارع بشكل ملحوظ، وفي الولايات المتحدة انتخاب رئيس جديد.
شكلت الحرب في القوقاز عقبة أمام تقدم الطروحات الروسية لسياستها الخارجية، التي تتمحور حول إعادة بناء علاقاتها الخارجية، خصوصاً مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، على أساس إعادة الاعتبار لمكانتها على الساحة العالمية. وتأكيداً على خروجها من دائرة الحرب الباردة المغلقة، فإن روسيا اليوم تعتمد مبدأ تفعيل العلاقة مع دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً دول أوروبا القديمة منها كفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا. وفي المقابل تلجأ الى تجميد العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية والحفاظ على الوضع القائم، ما دفعها الى الانتقال من موقع المبادر بشأن إيجاد حل للقضايا العالقة، الى رافض لمبادرات إدارة الرئيس بوش، ريثما تصل الإدارة الجديدة الى البيت الأبيض.
أبعاد السياسة الخارجية الروسية الجديدة ضمنها الرئيس الروسي ميدفيدف في خطابه السنوي الأول أمام مجلسي الدوما والشيوخ في 5/12/2008، والذي اتسم بالتصعيد تجاه الولايات المتحدة الأميركية، إذ اعتبرها السبب في إثارة العديد من المشاكل في وجه روسيا في الآونة الأخيرة، متهماً إياها باستغلال حرب القوقاز لإدخال بوارج الناتو الى البحر الأسود، ولتسريع عملية ربط أوروبا بشبكتها المضادة للصواريخ، مشيراً الى أنه لم يبق خيار أمام روسيا، التي باتت مضطرة لاتخاذ إجراءات دفاعية وقائية، فهي محاصرة بشبكة الدرع الصاروخية، والقواعد العسكرية، ويتم تجاهل مبادرتها للعمل الجماعي ضد التهديدات والمخاطر المشتركة من خلال المضي في توسيع حلف الناتو.
وتأكيداً منه على التمييز في المواقف من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، كان لافتاً تجنب ميدفيدف استعمال كلمة الغرب في خطابه على الرغم من نبرة التحدي، والتي عكسها إعلانه عن نشر صواريخ إسكندر من ضمن الإجراءات العسكرية الأخرى، تأكيداً على عدم تراجع روسيا واستعدادها للمواجهة، في إشارة الى عدم توقع تغيير جذري في سياسة إدارة أوباما تجاه روسيان وذلك تماشياً مع الاعتقاد القائل أن انتخاب أوباما يشكل مشروعاً أميركياً بامتياز للخروج من الأزمة، يتيح لها بأن تحل مشاكلها على حساب الآخرين. ويبدو أن الاستراتيجية الروسية القائمة على استثمار علاقاتها بدول أوروبا القديمة، نجحت في جعل الأخيرة ترفض ضم أوكرانيا وجورجيا الى برنامج العضوية الى الناتو أخيراً، وتسعى الآن لتوظيف هذه العلاقة لتطبيع العلاقات مع واشنطن بعد أن أبدى برلسكوني استعداده للتوسط بينهما. في هذا الإطار أيضاً تندرج محاولات التنسيق مع الأوبك، والتي قد تؤدي الى انضمام روسيا إليها.
إعادة التموضع في العلاقات الخارجية الروسية ترافقت مع إعادة تموضع داخلية عكستها التعديلات الدستورية التي تقدم بها الرئيس ميدفيدف في خطابه. طالت التعديلات مدة ولاية كل من الرئيس ومجلس الدوما، لتصبح ولاية الرئيس 6 سنوات وولاية مجلس الدوما 5 سنوات. كما طالت طريقة انتخاب مجلس الشيوخ المؤلف من حكام ومحافظي الأقاليم والمناطق الإدارية، بالإضافة الى اضطرار الحكومة بموجب التعديل الى تقديم جردة حساب سنوية أمام البرلمان.
وكما هو متوقع فقد ضمنت سيطرة حزب روسيا الموحدة بقيادة بوتين على الأغلبية الدستورية في مجلس الدوما وفي المجالس المحلية إقرار التعديلات وفقاً للآليات والمهل المحددة بموجب الدستور. إلا أن ذلك لم يمنع المراقبين من التوقف عند مغزى هذه التعديلات؟ وما الداعي إليها في ظل الأزمة المالية والركود الاقتصادي.
كما أشار ميدفيدف في خطابه فإنها ليست تعديلاً دستورياً بكل معنى الكلمة بل هي مجرد تصحيح تقني، فبذلك يتم الفصل زمنياً بين الانتخابات الرئاسية وانتخابات مجلس الدوما. إلا أن المراقبين يجمعون على أن بوتين هو من يقف وراء هذه التعديلات لإعادة تموضعه داخل تركيبة السلطة، وذلك انطلاقاً من أن حق اختيار المرشحين لعضوية مجلس الشيوخ باتت من صلاحيات الحزب الفائز في الانتخابات المحلية لكل منطقة وهو هنا حزب روسيا الموحدة، بعد أن كانت حكراً على إدارة الرئيس. أضف الى ذلك أن عدم تصور بوتين في موقع من يقدم جردة حساب أمام مجلس الدوما، فتح المجال أمام التوقعات بأن يقدم بوتين قريباً على ترك منصب رئيس الحكومة ليشغل منصب رئيس مجلس الدوما معززاً بذلك مكانته كزعيم قومي ممسكاً بكل السلطات الى حين عودته المرتقبة عاجلاً أم آجلاً الى الكرملين.
المستقبل




















