كشف إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت عن تفاؤله بإمكانية تحقيق السلام مع سوريا، واعتباره رفع دمشق من القائمة الأميركية لمحور الشر، وجعلها قضية أمن قومي إسرائيلي، أن إسرائيل قررت في هذه اللحظة المحورية العودة لأسلوب التلاعب بمسارات السلام العربية، وهو الأسلوب الذي وفر لها فرصاً ذهبية للإيقاع بالأطراف العربية في فخ التنافس والتسابق.
إن لم يكن الهرولة باتجاه موائد المفاوضات العبثية، التي لم تثمر أي مكسب للعرب ولم تُعد لهم ولو جزءاً يسيراً من حقوقهم المغتصبة، بل دفعتهم في نهاية المطاف إلى تقديم آخر ما يمتلكون من أوراق دون مقابل. وما فاقم من خطورة تصريح أولمرت أنه جاء في وقت أُلغيت فيه تهدئة غزة المحاصرة بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، بعد أن وصل قطار التسوية «الأميركي» إلى طريق مسدود، ولم يجلب للشعب الفلسطيني سوى المزيد من حروب التجويع.
والتنكيل وإبادة الحرث والنسل، ومصادرة الأراضي، وتهويد البلدات والمدن، وعلى رأسها عروس المدائن القدس الشريف، وتدنيس المسجد الأقصى ثالث الحرمين وأولى القبلتين، واستيلاء غلاة الصهاينة على جزء منه، والشروع في بناء كنيس يهودي، توطئة لتنفيذ المخطط الرامي لهدمه كلية. والحاصل أن إسرائيل، الغارقة في أزمات داخلية، على خلفية توحش ظاهرة الفساد السياسي، تجد متنفساً لأزماتها في الانطلاق إلى الخارج.
وهي تعلم يقيناً أن المشهد العربي يعاني حالة مزرية من الضعف والتشرذم، ليس فقط بين أقطار ودول، بل أبناء الإقليم الواحد، كما هو واقع الآن في فلسطين بين السلطة الوطنية أو حركة فتح في رام الله من جانب، والحكومة المقالة أو حركة حماس في غزة من جانب آخر.
هذه الحالة العبثية من الانقسام والتقاتل الفلسطيني لم تصب إلا في صالح تعزيز وترجيح ميزان القوة الإسرائيلية، ومنحتها تعويضاً مجانياً عن هزيمة عسكرية لجيشها في جنوب لبنان، وأخرى سياسية في المحافل الإقليمية والدولية.
وضاعف من مكاسب إسرائيل المجانية الشق الحادث في ثوب التضامن العربي وعودة المحاور، مابين مؤيد للسلطة ومناصر لحماس، رغم أن الكل في هذه اللعبة خاسر. ومن نافلة القول؛ التذكير بأن التهدئة في غزة لم تجلب للشعب الفلسطيني أمناً ولا رغيفاً، بل كانت فقط عنواناً مخادعاً لمفاوضات جانبية، محورها الرئيسي؛ مهما تنوعت العناوين، هو الإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليت.
فلقد قدم الشعب الفلسطيني خلال هدنة الشهور الستة 49 شهيداً في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس المحتلة، بينهم سبعة أطفال دون الثامنة عشرة من العمر، ومسنان: رجل وامرأة، فضلاً عن اغتيال ثمانية مقاومين قضوا في سبع عمليات اغتيال نفذتها القوات الإسرائيلية الخاصة في الضفة الغربية. ونحن نقترب من وداع عام 2008.
ورحيل الرئيس الأميركي جورج بوش ينبغي أن نعيد تقييم الموقف العربي تجاه أسلوب التفاوض الحالي، الذي أغرقنا في أحلام يقظة عن دولة فلسطينية لم تقم كما وعد بوش، بل أيقظنا على كابوس قضم إسرائيلي مستمر للأراضي المحتلة. وقبل كل شيء، يجب على الجامعة العربية أن ترعى مؤتمراً بحثياً، على مستوى صناعة القرار العربي، لسد الطريق على لعبة إسرائيل وتلاعبها بالمسارات وإحياء منظومة التنسيق وآليات التفاوض الجماعي.




















