إن استمرار الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وأعمال التطهير العرقي ، وبالذات في مدينة القدس المحتلة ، والاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى ، يكشف نوايا عصابات الاحتلال الصهيونية ، ومخططاتها التهويدية التوسعية ، ويؤكد في الوقت نفسه أن هذه العصابات ليست معنية بالمفاوضات ، ولا بالسلام ، بل معنية فقط بتحقيق أهدافها ، بالاستيلاء على الأرض الفلسطينية ، وتهويد القدس ، والأقصى.
وفي غمرة مساعي واشنطن ، لاستئناف المفاوضات المباشرة ، وقيام المبعوث الأميركي ، جورج ميتشل ، ومساعده ، بمباحثات مع السلطة وإسرائيل ، لبدء هذه المفاوضات ، تعلن عصابات الاحتلال عن موافقتها على هدم 30 منزلا في حي كفر عقب ، بين القدس ورام الله ، لتوسيع المستوطنات المقامة حول القدس المحتلة ، والتي تشكل سوارا يفصل المدينة عن محيطها العربي ، إلى جانب الإعلان عن إنشاء مصعد تحت ساحة البراق ، من شأنه أن ينقل اليهود من الحي اليهودي إلى ساحات الأقصى ، ويموله رجل الأعمال اليهودي ، باروخ كلين ، بكلفة 10 ملايين دولار.
هذه الاعتداءات الغاشمة على الأقصى ، تؤكد نية عصابات الاحتلال ، وتؤكد في الوقت نفسه الأخطار الحقيقية ، التي يتعرض لها المسجد ، سواء كانت عن طريق حفر الأنفاق ، ما أدى إلى خلخلة أساساته ، وتعريضه للانهيار ، أو هدم تلة المغاربة ، وتوسيع ساحة البراق ، التي يطلقون عليها زورا وبهتانا ساحة المبكى ، وإقامة الكنس حول المسجد ، والتي بلغ عددها حتى الآن ، 14 كنيسا ، كان آخرها كنيس الخراب الذي يحجب الرؤية عن قبة الصخرة المشرفة.
إن العدوان الإسرائيلي المستمر ، وفي أبشع صوره على القدس والأقصى والأراضي المحتلة عموما ، يستدعي موقفا عربيا ودوليا فاعلا ، وقادرا ، على لجم العدوان الذي بات يهدد المنطقة والسلم العالمي.
وفي هذا الصدد ، تتحمل واشنطن و"الرباعية" مسؤولية كبرى إزاء ما يحدث ، فـ"الرباعية" ، مدعوة للنهوض بمسؤولياتها ، وفي هذه المرحلة بالذات ، من حيث التأكيد على ضرورة وقف الاستيطان ، وإقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة ، في حدود الرابع من حزيران ، وتحديد سقف زمني للمفاوضات ، لقطع الطريق على عصابات الاحتلال الصهيونية ، التي دأبت على استغلال المفاوضات ، لفرض سياسة الأمر الواقع ، من خلال التسويف والمماطلة وتقطيع الوقت ، ما أدى إلى ارتفاع وتيرة الاستيطان إلى الضعف منذ أوسلو وإلى اليوم.
ومن ناحية أخرى ، فإن واشنطن بصفتها الراعية الوحيدة للسلام ، وحليفة إسرائيل الاستراتيجية ، مطالبة بأن تخرج من مربع الانحياز لإسرائيل ، إذا أرادت أن ترمم مصداقيتها ، التي تضررت كثيرا في المدة الأخيرة ، وإذا أرادت أن تحافظ على السلام ، والذي هو مصلحة أميركية ، كما قال الرئيس أوباما ، ومصلحة عربية وإسرائيلية ، وذلك بإجبار ربيبتها إسرائيل على الانصياع لقرارت الشرعية الدولية ، والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ، وفق سياق اقليمي يؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني ، وعاصمتها القدس الشريف.
مجمل القول: إن استمرار عصابات الاحتلال بالاستيطان ، والتطهير العرقي ، والتهويد ، ينسف عملية السلام من جذورها ، وهذا ما حذر منه جلالة الملك عبدالله الثاني ، أكثر من مرة ، داعيا المجتمع الدولي ، وعواصم القرار في العالم ، إلى ضرورة التقاط اللحظة الحاسمة ، لنزع فتيل الانفجار ، الذي يوشك أن يهز المنطقة ، وذلك بإجبار عصابات الاحتلال على تنفيذ الرؤية الدولية ، حفاظا على الأمن والاستقرار في المنطقة ، وحفاظا على السلم العالمي. فلا سلام مع الاستيطان.
الدستور




















