مساء الرابع عشر من ديسمبر عام 1999، كانت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت، والسفير الأميركي في تل أبيب مارتن أنديك، في انتظار رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك إيهود باراك في قاعدة أندروز الجوية بالقرب من واشنطن، لإطلاق مفاوضات سلام هي الأولى من نوعها على هذا المستوى بين سوريا وإسرائيل، إذ كان وزير الخارجية فاروق الشرع هو من سيرأس الوفد المفاوض عن الجانب السوري.
فتح باب الطائرة إلا أن أحداً لم ينزل، ليطل بعد قليل أحد مرافقي باراك ويشير من أعلى لمارتن أنديك بالصعود. «أنا أعلم أن ما سأقوله لك سيخيب أملك، لكن بسبب مشاكل تحالفاتي الحكومية فأنا اعتقد ألا أتمكن من الموافقة على الاتفاق الذي يتم التفاوض عليه حاليا»، بهذه الكلمات صفع باراك أنديك ومعه إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون التي عملت بجهد خارق للوصول إلى هذه اللحظة. رغم ذلك أقنع الأميركيون باراك بالمضي قدماً وأعلن إطلاق المفاوضات، على أن تبدأ اللجان عملها بعد بضعة أيام في بلدة شيبردزتاون، لكن باراك الذي سعى جاهداً لإفشالها منذ البداية، عرقل اجتماع لجنة ترسيم خط الرابع من يونيو، وهي اللجنة التي أصر السوريون على ضرورة اجتماعها بالتوازي مع باقي اللجان المعنية بالترتيبات الأمنية وقضايا التطبيع والمياه والجدول الزمني، ما حال دون انعقاد أي جلسة مفاوضات مباشرة بين الوفدين الموسعين، باستثناء اجتماع لجنة الترتيبات الأمنية وعلاقات السلم العادية (التطبيع).
كانت إدارة الرئيس كلينتون استطاعت حينها تجاوز عقبة التمسك السوري بما يسمى بوديعة رئيس الحكومة الإسرائيلية الراحل إسحق رابين، والتي تنص على الانسحاب الإسرائيلي إلى خط الرابع من يونيو، بالإعلان أن المفاوضات ستستأنف من النقطة التي توقفت عندها، دون تحديد هذه النقطة. وكشفت وثيقة العمل التي تم وضعها خلال فترة تواجد الوفدين في شيبردزتاون، حجم التنازلات الكبيرة التي قدمها الوفد السوري في مقابل الحصول على تعهد إسرائيلي بالانسحاب إلى خط الرابع من يونيو. وانتهت المفاوضات إلى أزمة عميقة من فقدان الثقة السورية بالمفاوضات، ليس مع إسرائيل فقط وإنما مع الأميركيين أنفسهم.
بعد ذلك بأربعة أشهر توفي الرئيس السوري حافظ الأسد، وقبل ذلك بقليل جرت محاولة لإعادة إحياء المفاوضات خلال لقاء الرئيس الأميركي بيل كلينتون مع الرئيس الراحل في جنيف، لم يحمل جديداً بالنسبة لسوريا سوى تأكيد الانحياز الأميركي للفهم الإسرائيلي لخط الانسحاب من الهضبة التي احتلت عام 1967، ومنذ ذلك الحين تطالب سوريا بتعهد إسرائيلي واضح بالانسحاب لخط الرابع من يونيو، كمقدمة لأي مفاوضات مقبلة.
رسمياً توقفت المفاوضات حتى العام 2008، لتستأنف بطريقة غير مباشرة عبر وساطة تركية وسط تعتيم كبير، قبل أن تتوقف من جديد نتيجة استقالة رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت المثقل بقضايا فساد، وسط توقعات أن تعيد الانتخابات العامة التي ستجري في العاشر من فبراير، رئيس حزب الليكود المتطرف بنيامين نتنياهو للسلطة من جديد. في هذه الإثناء،ولإدراك دمشق أن ملف المفاوضات بات محل مزايدة انتخابية إسرائيلية، سربت بعض المصادر السورية أن دمشق سلمت الجانب التركي وثيقة تحدد مطالبها من المفاوضات، وعلى الأخص فيما يتعلق بخط الانسحاب الإسرائيلي المفترض.
وعلى خلفية هذا الطلب، كشفت المعلومات المتداولة من دمشق وتل أبيب خلال الأسبوع الماضي أن ثمة هوة كبيرة في المفاوضات بين الطرفين، لم تستطع المحادثات غير المباشرة برعاية تركية أن تجسّرها، وخصوصاً فيما يتعلق بالخلاف بشأن خط الرابع من يونيو، الذي تصر سوريا على الانسحاب إليه للتوصل إلى أي تسوية مقبلة.
وتطرح هذه المعلومات تساؤلات كبيرة ليس فقط عن جدوى المحادثات غير المباشرة التي أنهت جولتها الرابعة فقط في تركيا، وإنما عن حقيقة مواقف الطرفين من التوصل إلى اتفاق سلام، وما إذا كان الأمر مجرد مناورة سياسية ناتجة عن الحسابات الخاصة بكل طرف. إذ ذكرت التقارير الصحافية أن سوريا تقدمت مؤخرا عبر الوسطاء الأتراك بوثيقة حددت فيها خريطة مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، وتنتظر الحصول على الرد الإسرائيلي عليها.
ونقلت وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر مطلعة على المحادثات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل قولها إن «الرئيس بشار الأسد أبلغ مؤخرامسؤولين غربيين بأن دمشق تريد من إسرائيل اتخاذ موقف واضح بشأن قضية إعادة الجولان، وذلك قبل الموافقة على دفع جهود السلام بين الطرفين قدما إلى الأمام». وقال أحد المصادر إن «الرئيس الأسد كان واضحا بالتعبير عن موقفه بأن سوريا تريد أن تعرف وجهة النظر الإسرائيلية بشأن ما تراه أنه يشكل حدود الأراضي السورية المحتلة الجولان قبل المضي بإحراز أي تقدم في المحادثات».
وأضافت المصادر أن «الوثيقة السورية المزعومة ترسم حدود الجولان المحتل، وتبرز بشكل خاص النقاط الجغرافية الست التي يقال إنها كانت مثار خلاف خلال المحادثات غير المباشرة بين الطرفين». وبدا لافتاً في هذا كله تأكيد الناطق باسم السفارة السورية في العاصمة البريطانية لندن جهاد مقدسي إنه «خلال المفاوضات السابقة لم يتم التطرق إلى موضوع تحديد خط الرابع من يونيو، وفلسفة المفاوضات غير المباشرة هي التركيز على ضرورة توضيح تعريف خط الرابع من حزيران بغية تمهيد الطريق لمرحلة التفاوض المباشر».
الرد الإسرائيلي جاء على أكثر من مستوى، وبتناقض عكس عدم اتخاذ موقف إسرائيلي موحد إزاء التسوية مع سوريا، وربما كان أبرز هذه الردود هو ما جاء على لسان كل من وزيرة الخارجية وزعيمة حزب «كاديما» تسيبي ليفني، وكذلك وزير الدفاع وزعيم حزب «العمل» إيهود باراك، لكونهما يعكسان الاتجاه الأكثر تبنياً للتسوية في الطيف السياسي الإسرائيلي.
وقبل ذلك ينبغي الإشارة إلى أن إسرائيل أعلنت على لسان مصدر دبلوماسي بعد تسريب الأنباء عن الوثيقة السورية، أن دمشق وتل أبيب أبلغتا الجانب التركي بتوقف المحادثات غير المباشرة في الوقت الراهن بينهما، وأن السبب وراء ذلك هو أن هذه المحادثات لن تكون ذات جدوى قبل الانتخابات العامة الإسرائيلية التي ستجري في العاشر من فبراير، وأشار صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية التي نشرت النبأ أن قرار تعليق العملية لم يثر الكثير من الاحتجاجات في وزارة الخارجية الإسرائيلية.
وفي هذا السياق كررت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني حديثها عن أن لإسرائيل مطالب من سوريا، وأن «الأهم بالنسبة لإسرائيل ليس السلام الذي يتضمن فتح سفارات وتناول الحمص في دمشق، وإنما وقف عمليات نقل الأسلحة إلى حزب الله عن طريق سوريا، والعلاقات الوطيدة مع إيران، والدعم المتواصل لتنظيمات إرهابية مثل حماس».
أما وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، فوصف المطالب السورية في المفاوضات مع إسرائيل بشأن استعادة هضبة الجولان بأنها «نزوة غير واقعية»، معتبرا أن أي حكومة إسرائيلية لا يمكنها قبول هذه المطالب، وشدد على أن ثمة الكثير من القضايا على جدول الأعمال، كالماء والإنذار المبكر والمنطقة المنزوعة من السلاح، وأنه لا يمكن أن لا نبحث تلك القضايا قبل الحديث عن الحدود. ووصف خطوة الرئيس الأسد بأنها «ضربة أخيرة».
واعتبر باراك أن التحدي الأكبر الذي يواجه إسرائيل هو المشروع النووي الإيراني الذي سماه «التهديد الإيراني»، وقال: «لست مع الرأي الذي يقول إنه إذا امتلكت إيران سلاحا نوويا ستسارع إلى إلقاء قنبلة على إحدى جاراتها. فإيران تدرك جيدا أن عملا من هذا النوع سيعيدها آلاف السنين إلى الوراء. ولكن الخطورة تكمن في أن يصل السلاح النووي ليد «جماعات إرهابية» لا تتردد في استخدامه».
هذا بشأن موقف «كاديما» و«العمل»، أما فيما يتعلق بموقف «الليكود» الذي ترشحه كافة استطلاعات الرأي لتسلم دفة الحكم بعد الانتخابات المقبلة فإن موقفه بدا أكثر تشدداً، إذ أوضح لسان النائب غلعاد أردان من دون أي لبس انه «إذا أراد السوريون التوصل لاتفاق سلام مع إسرائيل، فإنه يجب أن يكون هناك حل وسط جغرافي في الجولان».
ويكشف كل ذلك صحة الخطوة السورية بالإقدام على الطلب عبر الوسيط التركي بتحديد واضح للموقف الإسرائيلي من الانسحاب من الجولان، كمقدمة لاستئناف المفاوضات، مباشرة كانت أم غير مباشرة، خصوصاً وأن غالبية الملفات الأخرى (الترتيبات الأمنية، التطبيع، المياه) تم الاتفاق على جزء كبير منها في مفاوضات سابقة، على العكس مما ذكر وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، علماً أن جزءاً كبيراً من هذه الاتفاقات تم خلال ترؤسه الحكومة الإسرائيلية في العام 2000.
ولا توحي المؤشرات الصادرة من إسرائيل حتى الآن بإمكانية تحقيق أي اختراق على المسار السوري، رغم تأكيد رئيس حكومة تصريف الأعمال إيهود أولمرت أن توقيع معاهدة سلام مع دمشق بات ممكناً، وأنه سيبحث هذا الأمر مع مضيفه التركي الذي يلتقيه بعد غد الاثنين.
وصحيح أن سوريا لم تستطع أن تحقق أي مكاسب من الجولات الأربع من المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل برعاية تركيا فيما يتعلق باستعادة أرضها المحتلة، إلا أنها استطاعت باعترافٍ إسرائيلي استغلال ذلك من ضمن مبادرات أخرى أقدمت عليها فيما يتعلق بلبنان والعراق والملف الفلسطيني، الخروج من عنق الزجاجة التي وجدت نفسها فيها طيلة الأعوام الثلاثة الماضية نتيجة اتهامها باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، وما التوقيع بالأحرف الأولى على الشراكة الأوربية إلا واحداً من «المكاسب المهمة» لهذه المبادرات.
وفي انتظار رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبل، وتبلور سياسة أميركية تجاه ملف التسوية في الشرق الأوسط بعد تسلم إدارة الرئيس المنتخب باراك أوباما، تبدو سوريا في وضع أقوى بكثير مما كانت عليه قبل دخول المفاوضات بداية العام الماضي.
انتظار
مستقبل غامض يلف مصير المفاوضات
كان من المفترض، بحسب مصادر سورية، أن تشكل الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة التي تم تأجيلها، الجولة الحاسمة، كونها ستتطرق إلى ترسيم الحدود في هضبة الجولان المحتل.
وكانت قد عقدت أربع جولات من المباحثات تلتها الانتخابات الأميركية وإعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود اولمرت عن استقالته، ووفقاً للتقديرات يبدي الرئيس السوري رغبة بالانتقال للمباحثات المباشرة مع إسرائيل فقط عندما تشارك الولايات المتحدة بهذه المباحثات، وامتنعت إدارة بوش حتى اليوم عن إعطاء ضوء اخضر للاتصالات السورية-الإسرائيلية، لكن من المتوقع دعم الإدارة القادمة لمباحثات السلام بين إسرائيل وسوريا، ومن المتوقع مواجهة رئيس الحكومة الإسرائيلية القادم لضغوط من الإدارة الأميركية لإخراج سوريا من «محور الشر» من خلال إجراء مباحثات مباشرة معها.
"البيان"




















