الحياة – 19/12/08//
شاركت في المؤتمر الدولي الذي عقد أخيراً في مقر اليونسكو بباريس، في إطار خطة اليونسكو لتنمية الثقافة العربية المعروفة باسم «أرابيا»، وبمبادرة من مندوبية سلطنة عمان لدى اليونسكو وكان موضوعه «لقاء الثقافات على ضفاف المتوسط : كيمياء حوار متواصل».
وفي عصر تفتَّح فيه الوعيُ الإنسانيُّ على اختيار الحوار بين الثقافات والحضارات سبيلا ً للتفاهم وللتعايش للابتعاد عن الأسباب التي تؤدي إلى احتدام الصراع واشتعال الفتن بين الأمم والشعوب من جراء التعصب الثقافي والانغلاق الحضاري، تكون العودة إلى التاريخ لأخذ العبر ولاستلهام الدروس ولمعرفة مواقع القدم على الخريطة الحضارية تجنباً للانزلاق إلى مهاوي التزمت والتطرف ورفض الآخر والانكفاء على الذات، عملا ً من أعمال الحكماء ومسلكا ً من مسالك العقلاء.
ودفعني موضوع المؤتمر إلى العودة لكتب قيمة عن الحضارة الإسلامية وأثرها في الحضارة الغربية، فتأكـــد لدي رأي مفاده أن الخلاصة التي نخرج بها مـــن دراستنـــا للتاريخ، هي أن الحضارة الإنسانية نهر متدفق تصبّ فيه روافد من حضارات الأمم والشعوب، تزيد من تدفقه فيفيض على أحواضه من المعارف والعلـوم ما يجعـل الأرضَ تخصب وتزهر وتثمر.
لقد كانت الحضارة العربية الإسلامية من أهمّ مصادر المعرفة طوال ثمانية قرون، ومن أكبر القنوات التي انتقلت من خلالها العلوم إلى شتى الآفاق. بل يذهب المؤرخون المنصفون من الأوروبيين والأمريكيين وغيرهم، إلى إثبات أن علوم اليونان ومصر والهند وبلاد فارس، انتقلت إلى الغرب على الجسور التي أقامها العرب والمسلمون على ذلكم النهر المتدفق، نهر الحضارة الإنسانية الذي لا يزداد مع تعاقب الدهور إلاَّ توسعاً وامتداداً وانسياباً. فلولا الجهود العلمية الرائدة التي بذلها علماء العرب والمسلمين، لما وصلت إلى الغرب، الثقافة اليونانية، والثقافة المصرية، والثقافة الفارسية، والثقافة الهندية، وثقافة بلاد الرافدين وما وراء النهر في آسيا الوسطى. فهؤلاء العلماء الأفذاذ الذين انتظموا في سلك الحضارة الإسلامية، والذين كان منهم المسلمون وغير المسلمين من أتباع الديانات والمذاهب والملل والنحل المختلفة، هم الذين حموا العلوم القديمة، وصانوها، وأضافوا إليها، ثم نقلوها إلى أوروبا عبر مسارات ثلاثة: المسار الأول الأندلس التي ازدهر فيها العلم والمعرفة والثقافة بشتى ألوانها وفروعها، والمسار الثاني جزر البحر المتوسط، كصقلية وقبرص وغيرهما، التي كانت لعدة قرون، جزراً عربية إسلامية نهضت فيها العلوم نهضة واسعة، والمسار الثالث الاحتكاك المباشر الذي حدث بين الأوروبيين وبين العرب والمسلمين طوال ما يعرف في التاريخ الوسيط في المصادر الغربية بالحروب الصليبية، ويعرف في المصادر العربية بحروب الفرنجة.
وإذا كانت «المركزية الأوروبية» التي تعني التمركزَ حول أوروبا باعتبارها المركزَ الأزليَّ الوحيد للعلوم والمعارف، قد طغت على الفكر الغربي، فحجبت عن الإنسان الأوروبي كثيراً من الحقائق التاريخية، فإن الالتزام بالأمانة والنزاهة والموضوعية، يقتضي أن نكون منصفين في نظرتنا إلى الأمور، وأن نردّ الحقوق إلى أصحابها، وأن نكون أوفياء لتلك الأجيال المتتالية من العلماء الأجلاء الذين خدموا العلم الإنساني وأشاعوه في أقطار الأرض.
ومن الثابت تاريخياً أن العلم لدى العرب والمسلمين ازدهر ونما وترعرع وتفرع، لإيمانهم بأن طلب العلم فريضة، وخدمة العلم واجب، ونشره مسؤولية. وقد حضَّ الإسلام على طلب العلم، ورغب فيه، وشجع عليه، وأزال من الطريق كل عائق يمنع من التعمق في البحث العلمي، وفي تقصي الحقائق، وفي الدراسة والتحليل للوصول إلى أعلى مدارج العلم. وعلى هدي هذه التعاليم، اندفعت طبقات من العلماء في كل العصور في طريق البحث عن المعرفة واستقصائها وارتياد مختلف السبل للوصول إليها حيث كانت. ولذلك نجد أن علماء العرب والمسلمين كانوا ينكبون على مصادر المعرفة لدى الأمم التي عرفت بازدهار العلم فيها، فترجموا أمهات الكتب من لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية، ومنها اللغة اليونانية واللغة السريانية وغيرهما، فكانت تلك الترجمات مقدمات لنقل العلوم من الشرق إلى الغرب عبر الوسيط العربي الإسلامي.
إن العلماء العرب والمسلمين أمثال جابر بن حيان والخوارزمي والفرغاني والكندي والرازي والفارابي وابن الجزار والزهراوي وابن سينا وابن الهيثم والبيروني وابن زُهر وابن رشد وابن البيطار وابن خلدون وابن النفيس، وغيرهم من العلماء الأفذاذ المبدعين، جديرون بأن يحتلوا مكانتهم اللائقة بهم في تاريخ الحضارة والمعرفة، وأن يعرفهم الغرب ويُعرّف بهم، لأنهم أصحاب الفضل في تقدم العلوم والمعارف في العالم بما وضعوا من أسس معرفية، وما سطروا من إبداعات في مجالات العلم المختلفة.
وهناك المئات من الكتب ودوائر المعارف والموسوعات التي اعترفت بالدور الكبير الذي قام به علماء العرب والمسلمين في نقل العلوم إلى الغرب، أذكر منها ثلاثة كتب لثلاثة علماء جديرين بكل التقدير، هم: جورج سارتون، صاحب كتاب «مقدمة تاريخ العلم»، وويل ديورانت، صاحب موسوعة «قصة الحضارة»، وزيغريد هونكه، صاحبة كتاب «شمس الله تسطع على الغرب»، وهو الكتاب الذي ترجم من الألمانية إلى العربية بعنوان آخر «شمس العرب تسطع على الغرب». وما هذه الكتب إلاَّ نموذج لمئات من الكتب التي تعترف لعلماء العرب والمسلمين بفضل نقل العلوم إلى الغرب، وربط حلقات الاتصال بين المعرفة الشرقية والمعرفة الغربية. وعلى أساس هذه المقدمات قامت النهضة الأوروبية.
إن حوار الثقافات بدأ مع إشراق شمس الحضارة العربية الإسلامية، ذلك أن العمل التاريخي الجليل الذي قام به علماء العرب والمسلمين بنقل علومهم وإبداعاتهم وعلوم الحضارات الشرقية وحضارات حوض البحر الأبيض المتوسط إلى الغرب، كان حلقة من حلقات حوار الثقافات، بالمعنى العام وتحالف الحضارات بالمفهوم الشامل.
لقد آن الأوان ليعترف الغرب ـ والاعتراف بالفضل من فضائل الحكماء ـ بأن العرب والمسلمين مساهمون في بناء الحضارة الغربية، ومن بُناتها، ومن حقهم على الغرب أن ينزلهم المنزلة التي يستحقون، وأن لا يجور على الحق على أي نحو من الأنحاء. فهذا الاعتراف بالحقيقة سيفتح أبواب التقارب بين العالم الإسلامي والغرب، ويقوي حوافز التفاهم ودوافع التعايش ويتيح أمام الجميع الفرص المناسبة للحوار والسلام، خاصة في هذا الوقت الذي تراكمت فيه التحديات وتكاثرت دعاوى الكراهية والعنف والإساءة إلى الثقافات والأديان. وهو الوقت نفسه الذي يشارك فيه العرب والمسلمون بكل جدية في المبادرات العالمية للحوار والتفاهم والتحالف بين الحضارات التي انطلقت أكثرها من العالم الإسلامي، وذلك التزاماً بقيم حضارتهم وتعاليم الإسلام التي تؤكد الإيمان بوحدة الدين في أصله الإلهي وأخوة الأنبياء في رسالتهم التوحيدية، وكرامة البشر وتساويهم.
وبذلك نخرج من الدائرة التي تحاصرنا داخلها جل المدارس الفكرية في أوروبا بادعائها أن العلم والمعرفة هما من نتاج الحضارة الغربية، وأن الحضارات والثقافات الإنسانية الأخرى إنما أخذت عنها واقتبست منها العلم والمعرفة.
* المدير العام للمنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة – إيسيسكو.
"الحياة"




















