(نائب رئيس معهد أبحاث الأمن القومي)
قبل أن يدخل إلى منصبه يرسم المنتخب، باراك أوباما، الطريق التي ستعالج عبرها إدارته الملف النووي الإيراني. في جانب من الجوانب، لا تختلف طريقة أوباما عن طريقة إدارة بوش. فأوباما يعد بدبلوماسية صلبة تجاه إيران ويحذر، كسلفه، من أنه لا يستبعد الخيار العسكري ضدها. كما يوضح أنه قد يضطر إلى تشديد العقوبات على إيران لدفعها إلى تغيير سلوكها.
إلا أن أوباما يقترح تغييرا مهما مقارنة مع سلفه. إدارة بوش ومعها حكومات أوروبا طالبوا إيران بتجميد تخصيب اليورانيوم كشرط مسبق للحوار الفعلي معها في الملف النووي. وبما أن الإيرانيين رفضوا هذا الشرط وطالبوا بإجراء مفاوضات من دون شروط مسبقة رفضت الولايات المتحدة التحاور مباشرة معهم مما أدى إلى وصول المحادثات إلى حائط مسدود.
أوباما ينوي تغيير هذا النهج وهو مستعد لفتح حوار مباشر مع إيران من دون شروط مسبقة، أي الإستجابة لمطلب إيران بالتنازل عن شرط وقف التخصيب قبل مباشرة الحوار.
لكن لماذا أوباما مستعد لمنح الإيرانيين هذا الإنتصار التكتيكي؟ لأنه من دون ذلك لن يكون هناك حوار معهم وأوباما يريد هذا الحوار لأسباب عدة: لأن كل البدائل الأخرى فشلت أو أنها خطيرة جدا، ولأن هناك مطالبة متزايدة في الولايات المتحدة بتجريب الحوار المباشر عسى أن ينجح، ولأنه في حال فشل هذا الحوار سيكون ربما من الأسهل على الإدارة تجنيد الدعم الداخلي والدولي لدعم خطوات أكثر حدة ضد إيران.
وماذا عن الإيرانيين؟ كعادتهم، يثنون على إمكان التحاور معهم لكنهم يكررون موقفهم الصلب بأنهم لا يوافقون بأي حال من الأحوال على وقف التخصيب.
هل يمكن أن يقود الحوار الأميركي الإيراني إلى تسوية؟ الفرصة ليست كبيرة. فعلى مدى أعوام جرت عدة محاولات من أجل فتح حوار بين الجانبين في مواضيع خلافية تلقي بظلها على علاقاتهما. كل هذه المحاولات باءت بالفشل أو أنها آتت ثمارا محدودة قصيرة المدى. يعود ذلك إلى رفض النظام الإيراني التنازل عن القطيعة مع "الشيطان الأكبر" الأميركي الذي تحول إلى أحد المعالم البارزة للثورة الإسلامية وكذلك إلى رواسب العداوة والريبة والتنكر التي تراكمت بين الجانبين.
هذه المرة توجد في قضية النووي عقبات إضافية على طريق التوصل إلى تسوية: إيران ليست مستعدة في الوقت الراهن للتنازل عن تطوير سلاح نووي وترى في التفاوض وسيلة من أجل كسب الوقت لأجله، وثمة شك في أن تكون الولايات المتحدة قادرة على اقتراح محفزات لم يتم اقتراحها من قبل لإقناع الإيرانيين بوقف سعيهم نحو السلاح النووي.
لكن فرص النجاح في ذلك ليست معدومة. لا يمكن كليا استبعاد احتمال أن يولد التماس المباشر بين الجانبين تسوية في الموضوع النووي رغم كل شيء. في الولايات المتحدة وأوروبا تلوح اليوم بداية تسليم مع احتمال تسوية تسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم على أراضيها ضمن حجم محدود وتحت الرقابة. هذا احتمال إشكالي لأنه إذا لم تقتنع إيران بالتنازل عن سعيها إلى سلاح نووي فإنها ستستغل أي صدع ممكن في تسوية كهذه من أجل مواصلة سعيها إلى هذا السلاح.
إذا فشل الحوار بين الولايات المتحدة وإيران سوف يكون مطلوبا من أوباما بلورة نهج بديل. يمكن الإفتراض أنه سيسعى إلى تجنيد دعم حكومات إضافية، بشكل أساسي الحكومة الروسية والصينية، من أجل فرض عقوبات شديدة على إيران. هل سيدرس أيضا خيارا عسكريا ضدها؟ يبدو أن الأمر لن يحصل في الشهور القادمة. أوباما يشدد على أنه لا يستبعد الخيار العسكري من أجل زيادة الضغط سواء على إيران أو على الدول الأخرى التي يحتاج دعمها من أجل فرض عقوبات شديدة على طهران. ففي الولايات المتحدة يوجد تحفظ واسع حيال تنفيذ عملية عسكرية، ومن أجل اتخاذ قرار بشأنه- حال التوصل إلى استنتاج أنه حيوي، سيكون على أوباما بناء تأييد شعبي ودولي له.
أين موقع إسرائيل في هذا المشهد؟ ليس على إسرائيل الإعتراض على الحوار الإيراني الأميركي لأنه ينطوي على فرص ما حتى لو كانت ضئيلة، ولأن أوباما ألزم نفسه بهكذا إجراء ومن الأفضل عدم الدخول في مواجهة لا طائل منها معه في هذا الموضوع، ولأنه في حال فشل هذا الإجراء سيكون ممكنا استخلاص الفائدة منه. رغم ذلك، على إسرائيل أن تجري اتصالات وثيقة بإدارة أوباما من أجل التأكد من انه لن يتم التوصل إلى تسوية متصدعة تسمح لإيران بمواصلة طريقها نحو السلاح النووي.
("إسرائيل اليوم" 15/12/2008)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















