يُذكر تأكيد دمشق قبل أيام على ضرورة الاعتراف الإسرائيلي بالانسحاب إلى خط الرابع من يونيو، بما يتضمن الشواطئ الشمالية الشرقية لبحيرة طبريا، ب«وديعة رابين» التي أسالت أطنانا من الحبر، والتي تصر سوريا على أن رئيس الحكومة الإسرائيلية الراحل إسحاق رابين تعهد فيها بالانسحاب للخط المذكور.
لكن ما كشفته المعلومات التي تم تسريبها بشأن الوثيقة السورية التي سلمت للجانب التركي لإيصالها لإسرائيل، يفيد بأن دمشق لم تحصل حتى الآن على تعهد إسرائيلي بالانسحاب لخط الرابع من يونيو، وأن المفاوضات غير المباشرة التي جرت في تركيا على أربع جولات، لم تتم على هذا الأساس، وهو الأمر الذي أكده الناطق باسم السفارة السورية في لندن. وتطرح هذه المسألة تساؤلات كبيرة جداً بشأن حقيقة الموقف السوري، الذي يبدو للوهلة الأولى أنه يتضمن تخلياً عن شرط الانسحاب إلى هذا الخط.
ما تبين من المعلومات التي سربت بشأن الوثيقة السورية الأخيرة، يوضح عكس ذلك تماماً، فسوريا عادت لتضع شرط الانسحاب مقدمة لاستئناف المفاوضات، ما يعني ضمناً أن ما جرى في تركيا لم يكن سوى مناورة سورية ذكية تستهدف، ليس فقط جس النبض الإسرائيلي إزاء التسوية، وإنما خطوة في سبيل تتويج استعادة دمشق مفاتيح المبادرة، بالتزامن مع العديد من الخطوات التي قام بها النظام السوري في العديد من الاتجاهات:
فقد شهدت الأشهر الأخيرة حل الأزمة اللبنانية عبر تسهيل سوريا التوصل لاتفاق الدوحة وانتخاب رئيس للبنان وتشكيل الحكومة اللبنانية والاعتراف الدبلوماسي المتوقع أن يتوج خلال أسابيع بافتتاح السفارات بين البلدين.كما شهدت ذات الفترة تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود السورية مع العراق، ما خفض دخول المقاتلين إليه لمستويات قياسية باعتراف أميركي.
ولم تكن سوريا بعيدة عن التوصل لتفاهم التهدئة في قطاع غزة بين «حماس» ومن خلفها الفصائل الفلسطينية، وبين إسرائيل، رغم أنه تم برعاية مصرية. وتوج كل ذلك باستئناف المحادثات غير المباشرة بوساطة تركية، حيث التقى الطرفان في أربع جولات، توقفت بسبب استقالة رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت. ومن دون أن تدفع أي أثمان كبيرة، لا على صعيد علاقاتها بإيران أو بحزب الله أو بالفصائل الفلسطينية المقاومة، تستعيد سوريا اليوم موقعها بعد أعوام من الضغوط والعزلة التي أعقبت اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.
ورغم أن الضغوط ما تزال قائمة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الذي بات بيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالإضافة للمحكمة الدولية الخاصة بالحريري التي ستنطلق في مارس المقبل ، إلا طوق العزلة تم رفعه منذ حضور الرئيس السوري بشار الأسد قمة الاتحاد من أجل المتوسط، ووعود الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي باستئناف مفاوضات الشراكة الأوربية مع سوريا خطت أولى خطواتها بالتوقيع بالأحرف الأولى قبل أيام. وفي انتظار تحديد خط الرابع من يونيو، وقبول إسرائيل بالانسحاب إليه، تبدو دمشق غير مستعجلة على الإطلاق، فالزمن بحسب الساعة السورية يختلف كثيراً عما هو متعارف عليه.
feraskilani@hotmail.com
"البيان"




















