خمسة أشهر أو ما يقرب من المئة وستة وثلاثين يوماً، هي عمر العد التنازلي لأهم تاريخ فى العصر الحديث للسودان شماله قبل جنوبه، ويترقبها شرقها ووسطها الممثل فى كردفان، وأيضاً الغرب بأقاليمه الثلاث، دارفور، يوم يتخوف منه الكثيرون ويكاد يكون كابوسا للمؤرخين ولكل محب لوحدة بلاده … هو يوم تقرير المصير لشعب الجنوب السوداني والذي سييحدد هل يبقى السودان موحدا أم ينقسم الى دولتين.
وعلى مدى الاشهر الثلاثة الماضية زاد إنتباه المواطن السوداني لاقتراب موعد اللحظة المصيرية، واليوم الذي يخشون فيه إنقسام السودان الكبير "التاسع من كانون الثاني (يناير)" والذى قد يفتح بابا آخر لمطالبات بتقرير مصير للجهة الغربية من أرض الوطن، دارفور، والتى تلمح بها من حين الى آخر قيادات من الحركات المسلحة الدارفورية وعلى رأسها "العدل والمساواة" الرافضة لمنبر الدوحة، وأيضا منطقة أبيي الغنية بالنفط والتى تسعى لتقريرمصير متزامن مع الجنوب.
وتتعاظم في الايام الاخيرة أصوات من داخل أوساط الاحزاب السياسية السودانية تؤكد على وحدة الوطن وبناء علاقة جديدة بين الشطرين الشمالي والجنوبي من البلاد، يشكك فيها إتجاهات من داخل "الحركة الشعبية" تسعى لاستقلالية منفصلة عن الوطن الام السودان الكبير، وترى أن المصالح السياسية للجزء الجنوبي هي في تكوين دولتهم الجديدة التي بدأوا فى اختيار إسمها الجديد، وصورة علمها الحديث الذي يرفرف على الجنوب السوداني.
وأطلق الرئيس السوداني منذ أيام قليلة نداءه بتكاتف جميع القوى السياسية السودانية بكل أطيافها لجعل الوحدة هي الخيار الوحيد من أجل وحدة البلاد واستقراره، مؤكدا في الوقت نفسه اجراء الاستفتاء في موعده المحدد.
وقال البشير في لقاء الاحزاب الساسية السودانية المشاركة في الاجتماع التشاوري لحل قضايا السودان، والذي أستمر لساعات طويلة، "أن هذه الدعوة لكل القوى الساسية السودانية لمعرفة رؤاها والتشاور معها حول قضايا السودان وقضية استقراره واجراء الاستفتاء الخاص بتقرير مصير جنوب السودان".
وناشد الرئيس البشير كل القوى السياسية السودانية والمجتمع المدني بضرورة العمل معاً لانجاح المبادرة عبر كل القنوات المحلية والدولية، مشيرا الى ان وحدة السودان واستقراره هم للجميع.
وعلى الرغم من مقاطعة عدد من الاحزاب المعارضة أبرزها "حزب المؤتمر الشعبي" بزعامة حسن الترابي و"حزب الامة القومي الشيوعي" وكذلك "الحركة الشعبية لتحرير السودان" الشريك الثانى في اتفاق السلام لاجتماع دعت اليه الرئاسة السودانية لمناقشة قضية تقرير المصير ومستقبل وحدة البلاد .. إلا ان أصواتا حزبية أخرى دعت الى عقد ملتقى سياسي جامع يضم كل أهل السودان لمناقشة قضية الاستفتاء بمشاركة فعالة من مواطني الجنوب.
ويؤكد هذا الاتجاه أن رغبة المواطن الجنوبي تقوم على الوحدة، ولكنه لن يصوت لها إذا ما علت الأصوات الانفصالية داخل النخب الجنوبية السياسية، وتعتبر أن الشرط الزمني لإقامة الاستفتاء والمرتبط بشهر كانون الثاني (يناير) 2011 متوفر، ولكن الشرط الإجرائي والسياسي لإجراء الاستفتاء غير متوفر ويجب بذل الجهود لتوفير ذلك الشرط حتى يكون خيار الوحدة هو السائد.
ويلفت سياسيون إلى إن مصير الوحدة أو الانفصال لا تقرره الخرطوم ولا جوبا، ولكن يجب أن يُحدد عبر منابر سياسية ووطنية تقوم على مصلحة السودان أولا والتي تتمثل في وحدته.
وتخشى الاوساط السياسية السودانية من خلافات شريكي حكم البلاد "المؤتمر الوطني" و"الحركة الشعبية" في ظل الاتهامات المتبادلة بين الجانبين والتي وصلت الى حالة الخوف من تجدد الحرب بينهما، كما أعلن ذلك قياديين في "المؤتمر الوطنى" بعد قيام حكومة الجنوب بعقد صفقات للحصول على طائرات ودبابات يخشى الشمال انها تحمل سوء النية.
ولم تغب عن تلك الاحداث المؤسسات الدينية سواء في الشمال أو الجنوب، حيث دعا رئيس مجلس امناء منظمة الدعوة الاسلامية المشير عبدالرحمن محمد حسن سوار الذهب الى ضرورة التحرك سياسياً في مدن وقرى الجنوب المختلفة للتبشير بوحدة السودان، منبها إلى المخططات الغربية التي تسعى إلى تفتيت السودان والنيل من استقراره ووحدته.
وتظل أمال الشعب السوداني مرهونة على "حلم الوحدة والاستقرار" في حكمة ينتظرها من شريكي حكم البلاد المتمثلة في زعامة الرئيس عمر البشير، رئيس "حزب المؤتمر" والذى أوقف حرباً إستمرت أكثر من عشرين عاماً، وحصل في الانتخابات الاخيرة على نسبة كبيرة من أصوات الجنوبيين، وسيلفا كير ميارديت زعيم "الحركة الشعبية"، والحاكم الفعلي للجنوب وأحد تلاميذ الراحل جون غارانغ الذى سعى دائما الى وحدة السودان، ولكن على أسس جديدة تخفف ألام مواطنى الجنوب ولا تجور على حقوق الشمال السوداني.
(أش أ)




















