لم يكن الوضع السياسي والأمني في حاجة الى حادث برج أبو حيدر "الفردي" ليثبت هشاشته و"جهوزيته" للانفجار والفرقعة، واللجوء الى الآر. بي. جي.، عند أول دعسة ناقصة أو كلمة زائدة، إلا أن اقتصار المواجهة الدمويَّة على حزبين معيّنين جعل القيادات والمرجعيات تراجع حساباتها، وتنبش الدفاتر القديمة.
بل دفعها الى إعادة قراءة ما بين السطور، وما خلف الكلمات، وما وراء الأكمات، في محاولة لالتقاط بعض الخيوط والمؤشرات والأبعاد، وما اذا كان ما حصل سيغلق عليه الباب عند هذا الحد، أم انه سيتبيّن لاحقاً انه مجرَّد توطئة. أو تحضير "الأرضية". أو اختبار متبادل. أو بدل من ضائع… ومن رسائل بالجملة والمفرَّق.
عندئذ سيُبنى على الشيء مقتضاه.
ولكن، وأياً يكن تقييم المسؤولين المعنيين أمنيّاً وسياسيّاً وحزبيّاً، فإن الحادث المفاجئ الذي تمددَّ ليلاً حتى خطوط تماس تلك الأزمنة، تنذكر ما تنعاد، قد أيقظت انفجاراته ورعوده وبروقه ذاكرة اللبنانيّين على الحديث والقديم من الحوادث المماثلة، والتي لا تزال مفاعيلها وطعمها تحت الأضراس وعلى شاشات التلفزة.
فضلاً عن انه كشف للناس أجمعين، ولكبار المسؤولين بصورة خاصة، ان السجالات والاشتباكات والزجليات التلفزيونيَّة قد فعلت فعلها، وعبأت النفوس بأكثر مما تحتمل من التحريض، والتجييش، والحقن، والاستفنار.
مما لا يترك مجالاً واسعاً أو ضيِّقاً لمزيد من الدرس والتمحيص، ولا حتى لحوارات ومحادثات وتفاهمات أكدّت الأحداث والتطورات والأيام عدم جدواها وفاعليتها.
لم يجف بعدُ حبر البيان الختامي، والتفاؤلي، لطاولة الحوار التي انتقلت مع الرئيس ميشال سليمان الى قصر بيت الدين هرباً من موجة الحر التي لم يسبق للبنان أن جرَّبها أو عرف مثلها ولو عبوراً.
وها هي الأحداث والحوادث تلغي هي بطلقة مسدس أو قذيفة صاروخية كل ما دُبِّجَ واعلن.
الدعوة الى الهدوء واعتماد الكلمة الطيبة، التي أطلقها مراراً وتكراراً الرئيس سعد الحريري خلال الافطارات الرمضانية، هذا هو أوانها ووقتها، على افتراض ان ما هزَّ بيروت ليل الثلثاء لا ينطوي على أية خلفيّات أو أماميّات. وعلى افتراض وجود حسن النيات وحسن الطويّات.
خلال الساعات الاخيرة امتلأت بيروت ومجالسها ومكاتب صحفها وسياسيّيها بالمحلّلين والضاربين بالرمل، وبـ"اولئك" الذين يعرفون كل شيء ويقرأون الغيب، وكانت كلمات وتقديرات حصرت ما يحصل في المنطقة، وما بين ايران وسوريا، وما بين طهران وواشنطن، في هذه الساحة الممتدة من برج ابو حيدر حتى رأس النبع، وبين أفراد من "حزب الله" وآخرين من "جمعية المشاريع".
وسيقال المزيد حتماً.
غير ان المطلوب الآن، وبالحاح، توقف هذه الأعاصير والزلازل، وهذا الفيض من التهويلات والهمدرة.
"زيّان"
elias.dairy@annahar.com.lb




















