كما كان متوقعا، فان السلطة الفلسطينية تتجه إلى الرضوخ للضغوط الأميركية والدولية والعودة مجددا إلى المفاوضات المباشرة. ويشكل بيان الرباعية الذي يحدد مرتكزات عملية السلام – مخرجا متواضعا لحفظ ماء الوجه فلسطينيا بعدما رفضت إسرائيل اقتراحين فلسطينيين: الأول بانعقاد قمة ثلاثية تجمع بين الرئيس الأميركي" باراك أوباما"، والرئيس الفلسطيني أبو مازن، وبنيامين نتنياهو، يتم فيها إطلاق المفاوضات بعد الإعلان عن مرجعية واضحة لها. والثاني: إصدار بيان رئاسي أميركي يحدد أسس التفاوض.
ولكن لا يمكن تحميل القيادة الفلسطينية بأكثر من طاقتها، فقد تعرضت إلى ضغوط غير مسبوقة وغير محتملة، لإجبارها على استئناف المفاوضات، ليس فقط من الجانب الأميركي الذي أنذر الفلسطينيين بعزلهم دوليا وقطع المساعدات السياسية والمالية عنهم رسالة باراك أوباما إلى أبو مازن ولكن أيضا من دول الاتحاد الأوروبي التي تبنت الموقف الأميركي بالكامل. وتقول عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير د. حنان عشراوي " إنها وعلى مدار تاريخ المفاوضات، لم ترى مثل حجم هذه الضغوطات على الجانب الفلسطيني".
وكان على الرئيس " أبو مازن " أن يتخذ قرارا صعبا ودقيقا، وهو يعلم أنه يسير في منطقة مليئة بالألغام، فهو ليس بوسعه التراجع عن مواقفه السابقة والعودة إلى المفاوضات دون الوقف الكامل للاستيطان وتحديد مرجعيات وجدول أعمال للتفاوض، كما أنه ليس بمقدوره مقاومة هذه الضغوط العاتية عليه وعلى السلطة بمفرده، وقد تخلى عنه بعض المسئولين العرب وتركوه يواجه الغضب الأميركي، والبعض الآخر ينتظر منه أن يخطئ لينقض عليه -كما حدث في تقرير غولدستون -.
وقد حاول أبو مازن المناورة والتلطي خلف الموقف العربي الرسمي الرافض لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل دون ضمانات حقيقية لنجاحها، ولكن سرعان ما انكشف هذا الموقف واستسلم للضغوط الأميركية، وترك الفلسطينيين لوحدهم يقررون – متى وكيف – تبدأ المفاوضات " بيان لجنة المتابعة العربية ".
ويشبه كثير من المتابعين للشأن الفلسطيني بين المناخ الدولي والبيئة السياسية التي أحاطت بأبي مازن بخصوص المفاوضات وتلك التي أحاطت بالرئيس الراحل ياسر عرفات في " كامب ديفيد " لإجباره على القبول بما عرضت عليه الإدارة الأميركية بشأن التسوية السلمية، والتي أفضت إلى عزله دوليا بعدما رفض هذا العرض البخس.
لذلك لم يكن أمام القيادة الفلسطينية إلا أن تختار بين اقل الخطرين على الشعب والقضية الفلسطينية وان تجتهد في اختلاق صيغة معقولة للتراجع والرجوع إلى المفاوضات بيان الرباعية الدولية وذلك على الرغم من قناعة الرئيس أبو مازن التامة والقيادة الفلسطينية بأن محصلة التفاوض ستكون صفرية في ظل المناخات الدولية السائدة والمعطيات المتوفرة على غرار محادثات التقريب.
ويجزم احمد قريع احد عرَّابي أوسلو- في حديث له: " أنه لا جدوى من الذهاب إلى المفاوضات مع الإسرائيليين سواء مباشرة أو غير مباشرة، وإنه يستحيل الاتفاق معهم، لأنه خلال 19 عاما من التفاوض مع الاحتلال تعاقبت معها الحكومات الإسرائيلية من اليسار إلى اليمين، لم نغلق ملفا واحدا".
وتنبع المرارة وخيبة الأمل التي يشعر بها المفاوض الفلسطيني، ليس من حقيقة الموقف الإسرائيلي والعقلية الصهيونية من الحقوق الفلسطينية وعملية السلام التي هي معروفة جيدا لديه ولكن من ضعف الموقف الأميركي وتراجعه في أكثر من محطة لصالح الدولة العبرية وعلى حساب الفلسطينيين.
وفي الوقت نفسه يتلقف الجانب الإسرائيلي هذا التراخي الأميركي والانقسام الفلسطيني ويستغله لصالحه، وقد رهن وزير الدفاع الإسرائيلي "ايهود باراك" الاستجابة للمطالب الحياتية للفلسطينيين، باستئناف المفاوضات المباشرة معهم. وتتضمن هذه المطالب: تمكين السلطة الوطنية من إنشاء وتطوير مشاريع وبنى تحتية في المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، وإزالة الحواجز العسكرية الإسرائيلية من شوارع وطرقات الضفة الغربية التي تعيق حركة وتنقل المواطنين.
أما رئيس الوزراء الإسرائيلي " بنيامين نتنياهو " فيقول لزواره " أن الوقت غير مناسب لتحقيق سلام نهائي وخصوصا في ظل عدم وجود قيادة فلسطينية واحدة ".
ولكن على الرغم من ذلك، فان لدى القيادة الإسرائيلية حاجة ملحة بانجاز شيء ما مع الفلسطينيين، وذلك بسبب القلق المتزايد من تحويل ملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى مجلس الأمن إذا انهارت العملية السلمية أو من إعادة طرح وبلورة فكرة الدولة الواحدة التي جرى تداولها في السبعينات من القرن الماضي.
لذلك فان هناك اعتقادا سائدا بان لدى نتنياهو عرضا – يعتبره ثمينا ومغريا يريد طرحه على طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين، وانه يسعى إلى التوصل إلى اتفاق مرحلي طويل الأمد يتم فيه استبعاد ملفي القدس واللاجئين مقابل تسليم مساحات واسعة من الأراضي للسلطة الفلسطينية دون إلزامها بالتنازل عن أي من الملفات العالقة.
وفي خضم كل تلك الوقائع، والحالة الفلسطينية التي يرثى لها، فان أفق التسوية النهائية يبدو ضعيفا، رغم حرص الرباعية الدولية على انجاز اتفاق سلام نهائي يتناول كل القضايا تحت سقف زمني محدد، ويبقى خيار الذهاب إلى الأمم المتحدة لإعلان الدولة الفلسطينية قائما في حال موت عملية السلام.
" المستقبل "




















