حرص "حزب الله" على لسان الوزير محمد فنيش على تأكيد الطابع الفردي لاشتباكات برج ابي حيدر وعدم اعطائها اي بعد سياسي يتصل خصوصا بالاجواء التي ينخرط فيها الحزب على خلفية معارضته للقرار الاتهامي المفترض صدوره عن المحكمة الدولية. وهو حرص ابرزه فنيش بقوة في مجلس الوزراء في رسالة بدت لبعض الوزراء تعبر عن الرغبة في النأي عن اي رسالة سياسية سيعتقد كثر في الداخل والخارج ان الحزب بدأ بتوجيهها على طريقة الاحتجاجات في الشارع على الانقطاع المتمادي للكهرباء.
وهي صورة سعى الى تبديدها في هذا المجال على لسان امينه العام السيد حسن نصر الله حتى لحلفائه من "التيار العوني" الذي اعتبر نفسه مستهدفا من حلفائه عبر هذه الاحتجاجات ولم يطمئن الا بعد حصوله على تطمينات بعدم استهداف وزيره في الحكومة. ولذلك يعتقد ان المهمة ستكون كبيرة على الحزب في السعي الى نفي الطابع السياسي ايضا عن مشاركته في هذه الاشتباكات التي حصلت في وقت يحمل دلالات كبيرة بالنسبة الى الداخل كما الى الخارج.
ويشكل الاتصال الذي اجراه امير قطر برئيس الجمهورية ميشال سليمان مستوضحا طبيعة الاشتباكات وعارضا المساعدة عينة من "النقزة" التي شكلتها هذه الاشتباكات على اكثر من مستوى. اذ ان اللبنانيين على اختلاف اوساطهم وانتماءاتهم رسموا علامات استفهام قلقة انطلاقا من ان الاحداث في الاعوام القليلة الماضية انطلقت من اشتباكات مماثلة ان لم تكن حوادث عاد بها كثر الى زمن الحرب الاهلية. وسبق للجيش ان ضبط حوادث مماثلة لتعود وتتفجر
بعد حين.
وقد انزعج مسؤولون كبار من الطريقة التي تناولت بها وسائل الاعلام الموضوع والربط الذي اجرته مع الماضي القريب باعتبار ان هذا الربط يساهم في اذكاء المخاوف. لكن ما حصل رسم علامات قلق حول مدى الرسائل السياسية وغير السياسية التي حملتها هذه الاشتباكات والى من وجهت وفي اي اتجاه وكيف يمكن توظيفها او استغلالها.
وتثير هذه الاشتباكات اكثر من علامة استفهام ترتبط بالحادث الذي قد يكون فرديا وعفويا في الاساس بمعنى ان لا تبعات له لا سياسيا ولا ميدانيا. الا ان احدا لا يمكن ان يسلم بسهولة بعفوية ما حصل ويبقي الاسئلة مفتوحة على احتمالات تتصل بما اذا كانت ستكون مقدمة لامر اخر يمكن ان يتطور لاحقا على اساس ان هناك من يملك سلاحا على الارض غير الحزب وان السلاح للفتنة موجود في وقت كان ثمة حديث ان اي عمل امني على الارض لن يجد له ندا في المقابل. فالاشتباكات تأتي على خلفية احتقان سياسي قائم منذ بعض الوقت وتظهر بان البلد يقف على حافة الهاوية بحيث ان اي حادث فردي يمكن ان يجر الامور الى حرب داخلية. في حين تحدثت تقارير ميدانية وصلت الى الجهات السياسية المعنية عن كميات من السلاح نزلت بسرعة الى الارض وعن اسلحة تتعدى السلاح الفردي بحيث لا يمكن القول بسهولة ان افرادا تورطوا في حادث عفوي بمقدار ما يمكن الحديث عن استعدادات في مكان ما تثير
القلق.
وتعتقد مصادر وزارية ان هذه الاشتباكات تضر بـ"حزب الله" بصرف النظر عن اعتباره الموضوع فرديا ام لا كما تشكل تحديا كبيرا للدولة اللبنانية واركانها وكذلك لمؤسساتها. فبالنسبة الى الحزب فان هذه الاشتباكات تسقط من حيث المبدأ التزامه موجبات التهدئة التي اتفق عليها في القمة الثلاثية السورية – السعودية – اللبنانية التي انعقدت في قصر بعبدا في 30 تموز الماضي وتعيد الى الواجهة استخدامه السلاح مجددا في العاصمة بصرف النظر عن الظروف التي تقل اهمية بكثير عن تلك التي دفعته الى استخدامه في 7 ايار 2008 في وقت يحرص على ابعاد موضوع سلاحه عن التداول لانه من ضمن معادلة الجيش والشعب والمقاومة. وهي المرة الثانية التي يستخدم فيها هذا السلاح منذ عام 2006 بحيث يعطي انطباعا انه بات جاهزا للاستخدام عند اي مفصل داخلي.
وتقع على "حزب الله" وهو الحزب المنضبط مسؤولية انجراره الى اشتباكات داخلية اذ يصعب فهم الاسباب التي دفعته الى المشاركة في هذه الاشتباكات انطلاقا من ان قراره بعدم التورط اساسا كان سيترك الاحباش وحدهم في الطريق. علما ان البعض يقول انه لو كان اي طرف آخر غير الحزب متورطا في هذه الاشتباكات لما كان سهل احتواؤها بسرعة ولكن كان ينتظر منه في احوال مماثلة ضبط نفسه وضبط الاخرين معه. كما يتعين على الحزب ان يطرح تساؤلات تتصل باسباب استنفار الاحباش وهم من حلفائه السياسيين في الصف الواحد ولاي هدف في حين يقول بعض اخر ان الاحتقانات التي تثيرها المواقف السياسية تؤدي الى بيئة مناسبة لوقوع حوادث مماثلة.
rosana.boumounsef@annahar.com.lb
"النهار"




















