النهار
حظنا كبير، كلنا بمن فينا رئيس الجمهورية لأننا لم نمض، في لجنة الحوار، في دراسة الستراتيجيا الدفاعية المقاومة بعيداً بمعزل عن طائرات "الميغ" التي فاجأنا وزير الدفاع بالاتفاق على استحضارها من "الروسيا الأرثوذكسية مثله"… – كما قال. وفاته أن يقول إنه كذلك تصرّف كشهيد حي ابن شهيد حي (لا تنسوا، ميشال لا ينسى)… هذا في انتظار أن يخترع "أخوة حنيكر" حكاية فارسية (أم أقرب) تنسب العدوان البربري الذي استهدفه إلى عصابة بلغارية أخرى، شأن العصابة التي روجوا ويروجون من جديد أنها هي التي اغتالت الحبيب جبران!… لا سامحهم الله، وخصوصاً أولئك الذين منهم كانوا يدّعون صداقة جبران إلى حين استشهاده !!!
معليش… كل ذلك سببه اضطرابهم من اقتراب موعد المحاكمة وإعلان انتهاء التحقيق الحالي الى وقائع وقرائن ندعو الجميع الى انتظارها بشيء من برودة الأعصاب… وكل غدٍ لناظره قريب !
***
والآن عودة إلى الستراتيجيا الدفاعية التي يجب أن يعيد كل واحد النظر فيها، لا في ضوء صفقة "الميغ" فحسب، بل في إطار المستجدات الدولية والإقليمية الآتية:
إن صفقة "الميغ" للبنان تزامن إعلانها – ولا نخالها كانت مفاجئة للسلطات المسكوبية إلى الحد الذي قاله وزير الدفاع اللبناني – تزامنت نقول مع إعلان آخر هو عودة الأسطول الروسي إلى زيارة كوبا، والمهم انه لم يكن ثمة رد فعل سلبي على الاعلانين لا من واشنطن ولا من بكين.
نقول ذلك لأننا لا يمكن أن نفكر لحظة ان موسكو تتخذ خطوات ستراتيجية "دفاعية" أو هجومية، لا نعرف، بمثل الارتجال الذي تتّخذه دول صغيرة نامية مثل لبنان !
وتزامنت صفقة "الميغ"، وستتزامن برامج التدريب والصيانة، مع أشغال يقوم بها الأسطول الروسي في ميناء طرطوس حيث له اتفاقات، وقد كانت للاتحاد السوفياتي قاعدة عسكرية في عدن (اليمن) ربما قررت موسكو إحياءها في ضوء التطورات المتلاحقة هناك، بما فيها أعمال القرصنة البحرية في بحر الصومال، من يدري؟… وقد تقترح موسكو الانضمام إلى القوة الاوروبية التي هي قيد الانتشار الآن للتصدي بالقوة للقراصنة.
ولا نخال وزير الدفاع وقيادة الجيش سيتأخران أو يستخفان بدرس الانتشار الدولي الروسي وسواه في المحيط الشرق الاوسطي لأن هذه المعطيات، بما فيها القاعدة الأميركية في قطر والقاعدة في البحرين، مهمة للغاية بالنسبة إلى الجوار الإيراني الذي تعتبر بعض الدول – ولا تنكر إيران ذلك – أن "حزب الله" في لبنان له صلات عضوية وعسكرية واعلامية بها، فضلاً عن العلاقة السياسية والدينية.
***
تبقى مسألة أخيرة في المشهد الاقليمي، هي إعلان "حزب الله" الحين بعد الحين أنه "ملتزم" الاستمرار في المقاومة حتى تحرير القدس وكل فلسطين، وعلى الأقل ملتزم مساندة "حماس" في مأساتها وجهادها في غزة.
من الناحية القومية، هذان الالتزامان لا اعتراض لأحد عليهما… شرط أن يأتي تنفيذ الالتزام في إطار قرار عربي شامل أو تكون مخالفة للمواثيق العربية وفي طليعتها ميثاق الجامعة والدفاع المشترك. فهل هذا هو المطلوب ان يخرج لبنان عن الاجماع العربي وآخر مظاهره إعلان مبادرة السلام العربية التي أُقرت في قمة بيروت عام 2002؟
الاعتراض هو من الناحية الجغراسية والدبلوماسية.
من الناحية الدبلوماسية، "حزب الله" مدعو مرة واحدة أخيرة إلى الإعلان بصورة قاطعة واضحة لا لبس فيها ولا محل لأكثر من تفسير: هل هو، نعم أم لا، ملتزم القرارات الدولية من القرار 425 و426 وصولاً إلى القرار 1701 و1559، وأخيراً أخيراً، قرار إنشاء المحكمة الدولية لكشف حقيقة جرائم الاغتيالات و"مشاريع الاغتيالات" التي لم تنجح، بما فيها قنبلة تفجير سيارة وزير الدفاع، وبالطبع أولى هذه الجرائم البربرية التي هي تفجير سيارة الوزير آنذاك مروان حماده والذي نجا كوزير الدفاع بأعجوبة ولا يزال كلاهما يعاني منه الأمرّين !
ولا حاجة إلى التذكير بباقي الاعمال الارهابية التي ليس لنا أن نقول في هذا المقام مقدار الأضرار التي أحدثتها.
إضافة الى ذلك كله، نودّ أن نسأل "حزب الله" هل نسخ كلامه الأخير عن تحرير فلسطين بأكملها تعهده السابق أمام لجنة الحوار في تاريخ لم يمض عليه الزمن أن هدف المقاومة هو استعادة شبعا ومزارعها وما إلى ذلك، والتوقف عن أعمال العنف إذا عادت شبعا بالوسائل الدبلوماسية. وكان ذلك كلام نهار لا يمحوه الليل، ولم يكن كلام ليل يمحوه النهار.
***
هنا ملاحظة بين هلالين:
هل في وسع أساطين "حزب الله" أن يقولوا لنا كيف يمكن الوصول إلى القدس ثم غزة من غير تحرير الجولان أولاً، والجليل كذلك؟ ولو للمرور على الطرق؟
وما هو موقف الجمهورية العربية السورية من ذلك؟ والأردن؟
وما هو موقف السلطات الفلسطينية والمنظمات المعنية؟
أم أن "حزب الله" يعتبر أن له تفويضاً "شرعياً" للتصرف بخريطة سوريا وفلسطين بمعزل عن أهل السلطة الشرعية فيهما؟
ثم، ثم… ألا يخشى "حزب الله" من أن يكون يضعنا، مرة أخرى كما فعلت المنظمات الفلسطينية عندما أعلنت أن طريق القدس تمر من بيروت، ثم من صنين… ثم…
وكانت النتيجة الوحيدة أن سلكت إسرائيل هذه الطريق إلى أرضنا، التي يفترض أن يعترف أخواننا الفلسطينيون أنها مقدسة هي كذلك…
وأن يعترف "حزب الله" أن هذه الارض اللبنانية المقدسة هي أرضه، لكنها ليست أرضه وحده يتصرّف بها من دون شورى ولا دستور.
***
… وختاماً لا يسعنا إلا أن نرحب بوزير الدفاع الذي عاد ليلاً من موسكو آملين ان يدعوه رئيس الجمهورية، بعد أن يستمع إليه، إلى اجتماع مقبل لطاولة الحوار علّه ينير سبيل الذين قد يتهافتون لاقتراح خطط دفاعية في الفراغ، لا مكان لها بالنسبة إلى متغيرات المنطقة ولا سيما ما يقال عن صراع صامت بين مصر وإيران ربما كان بعض ما نسمعه في لبنان عن غزة مجرّد خيالٍ له.
والأهم أن نسمع منه مدى اطمئنانه إلى الموقف الإيجابي من جانب أميركا تجاه مشاركة روسيا في تسليح لبنان جوياً وما قد يستدرج ذلك.
ولما كان ليس ممنوعاً أن يعود اللبنانيون يحلمون بالسلام، فلعل ذلك "التوافق" (ما دامت الكلمة على الموضة) الدولي يكون مؤشر انفتاح المجتمع الدولي على رؤية تحييد لبنان كمختبر لثقافة السلام القائمة على حوار الحضارات والاديان، بدل الاستمرار مع البعض في الحنين الى حروب عبثية نتمنى ألا تحدث، ولو كان حدوثها هو ثمن اقتناعنا مرة واحدة أخيرة بأنها كلها كانت وتبقى حروباً عبثية، ومن أجل الآخرين لا خير منها للبنان سوى البهورات التي لا تبني مجتمعاً متماسكاً ولا تستر عورات الأزمات الاقتصادية المطلّة إلا من حيث مردود حروب الآخرين على ممتهنيها… الذين قد يفرحون، كما الأولاد بألعاب الأعياد، بعدد الشهداء على جانبي الطريق!!!
غسان تويني
ghs@annahar.com.lb




















