الحياة
حسان حيدر
من المفهوم أن يكون القادة الاسرائيليون في الحكم والمعارضة منشغلين هذه الأيام بانتخاباتهم المقبلة في العاشر من شباط (فبراير)، وان يدفعهم هاجس جذب الناخبين الى تصعيد اللهجة والتشدد في المواقف من مختلف القضايا المطروحة عليهم، وفي مقدمها العلاقة مع الاطراف الفلسطينيين، فتدعو زعيمة «كاديما» تسيبي ليفني ضمنا الى إبعاد فلسطينيي 1948، ويرفض زعيم «ليكود» بنيامين نتانياهو اي تنازل في خصوص مستوطنات الضفة الغربية او اي تفكير في التنازل عن احياء عربية محيطة بالقدس، واي مسعى سلمي يتناقض مع ما يعتبره «بديهيات» امن اسرائيل. لكن ما يثير التساؤل هو ان تجاري حركة «حماس» التصعيد الانتخابي الاسرائيلي، فتعلن انتهاء العمل بالهدنة القائمة في قطاع غزة، جاعلة الوضع فيه مفتوحاً على كل الاحتمالات، وكأنها تقترع بذلك لليمين الاسرائيلي المتشدد الذي يدعو هو ايضاً الى إلغاء التهدئة، ويحضّ على عمل عسكري واسع النطاق لوقف اطلاق الصواريخ على مدن ومستوطنات الجنوب.
يقول قياديون من «حماس» و «الجهاد الاسلامي» في غزة في معرض تبرير قرارهم إنهم يريدون «خلق وضع جديد وواقع مختلف ينتج عنه مناخ جديد بظروف مواتية تشكل عامل ضغط على المجتمع الاقليمي والدولي بأسره ويسفر عن التحرك لإبرام اتفاق تهدئة منصف يحقق مصالح جميع الاطراف وليس طرفاً دون الآخر».
يعني هذا ان الحركتين تسعيان الى التهدئة عينها لكن بشروط مختلفة، وربما بعد تصعيد عسكري واسع، رغم ان الكلفة قد تكون كبيرة في الجانب الفلسطيني، بسبب انعدام التكافؤ تماماً في ميزان القوى العسكرية، وبسبب عامل الإعاقة الكبير الذي يشكّله المدنيون في غزة ويحد من حرية حركة المقاتلين وقدرتهم على المواجهة.
ترغب «حماس» في ان يتم الاعتراف بها محاوراً فلسطينياً وطرفاً تفاوضياً، وتعمل من اجل تغيير المعادلة الفلسطينية الداخلية بحيث تتمكن من فرض ارادتها السياسية وتحظى بتمثيل واسع في مؤسسات السلطة. وهي جربت ذلك عبر انتخابات المجلس التشريعي وعبر الانقلاب العسكري في غزة وفشلت، لذا تعتقد ان بإمكانها تحقيق ذلك او بعضه بالواسطة عبر الطرف الاسرائيلي نفسه.
فذهاب «كاديما» شريك السلطة الفلسطينية في عملية انابوليس التي أكدها مجلس الأمن قبل ايام ودعا الى استكمالها، ومجيء الليكود، سيؤدي الى تجميد عملية السلام وربما إنهائها، وسيشكل ضربة كبيرة لسياسة الرئيس محمود عباس ويشطب سنوات من الجهود التي بذلها لإرساء ثنائية تفاوضية، ويثبت من جهة ثانية شعار «حماس» بأنه لا يمكن تحقيق سلام مع اسرائيل ولا يمكن الوثوق بأي اتفاق معها.
وانتخاب نتانياهو يعني ايضا احراجاً لمعسكر الاعتدال العربي وكسراً للمبادرة العربية التي ترفضها «حماس»، ومن خلفها سورية وايران، ذلك ان الليكود سيدير ظهره لجهود السلام بسبب من طبيعته الايديولوجية اولاً، ثم لاضطراره الى اقامة ائتلاف حكومي يضم المتطرفين الدينيين لتأمين غالبية في الكنيست، وربما سيلجأ الى التعامل مباشرة او مداورة مع «حماس» لتخفيف الضغط الدولي عنه وتعميق الشقاق الفلسطيني في الوقت نفسه.
التصعيد العسكري في غزة، اذا حصل، وتطور الأمور لا يشي بغير ذلك، سيجعل الوضع في القطاع يتصدر اهتمام الادارة الاميركية الجديدة بالشأن الفلسطيني، ذلك ان قيادات «حماس» تعتقد بأن مقاربة واشنطن للأوضاع في المنطقة يجب ان تكون شاملة، فإذا كان اوباما مستعداً للحوار مع ايران وسورية، فلماذا يرفض الحوار معها؟
قد تكون الحركة الاسلامية الفلسطينية منسجمة مع منطقها في سلسلة الأهداف التي يمكن ان تحققها من رفض تمديد التهدئة، لكنه منطق يرقى الى المقامرة بأمن سكان غزة وبالوحدة الوطنية الفلسطينية، وربما بالوضع في المنطقة كلها.




















