– باريس
انتهت الانتخابات العراقية الى انقلاب "أمر واقع". فلقد انجزت حكومة المالكي (المنتهية ولايتها كما يقولون) كل الاجراءات الضرورية للبقاء في الحكم، سواء تم ذلك، بموافقة الاطراف الاخرى، او من دون رضاها. وبينما تتناقل وسائل الاعلام في الخارج والداخل، انباء المفاوضات بين الكتل الفائزة، فإن ترتيبات ضمان استمرار السلطة بيد الحكومة الحالية، والمالكي بالذات، قطعت اشواطا وتم منذ فترة، تأمين الدعم اللازم عسكريا على المستوى العراقي، واميركيا، للخيار الذي تحبذه الولايات المتحدة، مع انها ظهرت وكأنها مجرد ناصح، يميل الى اقناع الاطراف الاخرى بقبوله، والتصرف بمقتضاه.
ويقف الجيش العراقي، والقوات الاميركية من ورائه، الى جانب الحكومة القائمة. بينما يتم التكتم على القرار الذي هو قيد التنفيذ الآن. ولا تريد الولايات المتحدة، ان تظهر بمظهر المضطر الى قبر "الديموقراطية" التي تدعي جلبها للعراق من طريق الغزو. ويبدو ان هذا التطور كان بين العوامل القوية التي حدت بالادارة الاميركية الى الاخراج الاخير لقضية او مسرحية انسحاب القوات المقاتلة. فالولايات المتحدة تفضل ان تكون غادرت العراق، قبل الاعلان عن الحقيقة التي انتهت اليها شكليات الممارسة الديموقراطية في ظل الاحتلال. وهي تأمل بأن يرتبط ظهور ملامح التطور الجديد، وكأنه من مفاعيل خروجها وانسحاب قواتها المقاتلة. فـ"الديموقراطية" الاميركية التي نعم بها العراقيون، يمتد عمرها من الغزو الى يوم الانسحاب الاميركي. وسوف نضطر طبعا للدخول لاحقا بمحاججات حول من يدير ومن نسق الانقلاب الحالي، وكيف انهارت "العملية السياسية الاميركية" وفقدت قدرتها على الحياة والاستمرار.
يقف الجيش الاميركي عبر اصدقائه، من العسكريين العراقيين الكبار، وبالاخص رئيس الاركان، وراء القوات العسكرية العراقية الآن بقوة، وتؤمن بهذا الضمانة الاساسية لحفظ تضامن الجيش والسهر على بقائه موحدا ومصطفا وراء المالكي. الأمر الذي يشكل الوسيلة التي يحتاجها المالكي لخوض معركة، يعرف انه قد كسبها، على الاقل من ناحية ضمان استمراره في الحكم، الا انه مثله مثل الاميركيين، لا يريد اعلان افلاس "العملية السياسية الاميركية". ويفضل ان يتم الانقلاب وينفذ بطريقة "ديمقراطية"، تأتي كنتيجة لرضى الأطراف الاخرى والمؤثر منها بصورة خاصة. ولا شك بأن المالكي يفضل التوصل في النهاية الى اتفاق مع قائمة علاوي. وهذا ما يريده الاميركيون ايضا، ويعتبرونه الصيغة الافضل لضمان اقصى حد من اسباب الاستقرار الامني ، وتأمين مصالحهم، بينما هم يفكرون بتغيير اولوياتهم، فيحاولون الانتقال من سياسة الاحتلال العسكري المباشر القائمة حتى الان، الى تأمين التبعية السياسية والاقتصادية. غير ان الامر على مايبدو، ما زال يحتاج الى قبول من كتلة علاوي، والظاهر ان بعض الترتيبات لم تنته بعد على هذا الصعيد. والتردد ما زال يتحكم بمواقف علاوي والمنضوين في كتلته. وهؤلاء لم يتأكدوا بعد من انغلاق السبل نهائيا امام احتمال حصولهم على موقع رئاسة الحكومة. وهم لم يصلوا لدرجة التيقن من ان العراق يعيش حاليا في ظل انقلاب تم تنفيذه على الارض من دون اعلان، مع ترك الباب مواربا لتجريع الاطراف الاخرى والقوى الاقليمية، هذه الحقيقة.
ومن المفضل والانسب اميركياً، ان توافق بعض الاطراف الاساسية على مواصلة اللعبة الديموقراطية. وتقبل ولو مكرهة بترشيح المالكي لدورة ثانية. فمثل هذا التصرف سيؤجل الاعلان عن انهيار "العملية السياسية الاميركية"، ويجنبها ويجنب اطرافها التي تصدت لها من البداية، وبدعم وحماية الاحتلال، مصيرا كانت ترفض الاعتراف به بعناد. الا انه وفي مطلق الاحوال، ومهما كانت النتائج، او المخارج التي سيتم التوصل اليها لترميم الموقف، فان العراق فعليا قد انتقل اليوم، من حقبة الى حقبة سياسية اخرى مختلفة. ومسألة الديموقراطية، وبعض مظاهرها، ومنها ممارسة الانتخابات التي بشر بها الغزو الاميركي، انتهت يوم 7 آذار من هذا العام.
ويتهاوى من هنا فصاعدا كل بناء "العملية السياسية" القائمة، واولها الدستور، الذي ظل يعتبر بمثابة منظم افتراضي للحياة السياسية في البلاد في ظل الاحتلال. وحسب الوقائع الراهنة، فان الدستور قد تحول من اداة تنفيذ للارادة العامة للناخبين، كما هو مفترض، الى قانون يغطي مخططات قائمة على الاكراه والفرض. وبحسب الولايات المتحدة وايران معا، فان المالكي يمثل المشروع الأقرب لضمان مصالح الطرفين، في ظل خيارات قد لا تنسجم في غالبيتها الساحقة مع مقتضيات "التفاهم الضمني"، الأمر الذي يضع الاطراف العربية وتركيا في نهاية المطاف، خارج التأثير الذي كانت تتخيله او تامل به. لقد اعلنت ايران مبكرا عن خيارها، حين قررت ارسال سفير جديد للعراق في عز التداخلات الانتخابية، بعدما اقدمت على كف يد قاسم سليماني، ضابط المخابرات الايراني، الساعي للتحكم بمفاصل الوضع العراقي، والذي لا يكن للمالكي اي قدر من المودة.
هذا في حين ان السفير الجديد، هو من اقرب المقربين للمالكي ومن اعز اصدقائه. وبينما يواصل التيار الصدري تخبطه، ويتحول الى قوة مماحكة ضمن شروط "العملية السياسية الاميركية"، حتى يكاد يصبح جزءاً منها، فان تيار "المجلس الاعلى" يقاتل مستميتاً بعد ان فقد دوره وموقعه شعبيا من خلال صناديق الاقتراع، محاولا ابتزاز ايران، وتوهم القدرة على دفعها للتصرف بالضد من مصالحها. اما الاميركيون فيعتقدون بأن المالكي الاكثر تفلتا من قبضة ايران من بين الشيعة. وان عراقيته تتفوق على اي انتماء آخر. وان وجوده في الحكم، بالاضافة الى علاوي، يعني ان الايرانيين لم يربحوا المعركة. ولكن كما ان ايران تعاني من تمردات حلفائها، فان الاميركيين لم يتوصلوا لاقناع حلفائهم داخل كتلة علاوي بالحل الانسب كما يرونه. وفي كل هذا وفي اجمالي اللوحة، وتداخلاتها الاقليمية والعربية، يلمس الآن بالتجربة، بأن العراق ليس ساحة يلعب في رحابها الآخرون كما يلعبون في سواها. وان شبكة التداخلات الدولية والاقليمية، مهما عظمت تظل محكومة لايقاع خاص، ولحقائق العراق الصعبة والعصية على الجميع، خاصة في الظروف الانتقالية الراهنة. وما نراه اليوم، قد لايكون انتصارا للصيغة النموذجية التي يريدها الاميركيون. فتيار علاوي هو ما ترغب اميركا في رؤيته على سدة رئاسة الوزراء، بينما يفضل الايرانيون لو خيروا، شخصا من "المجلس الاعلى". فمن الذي خسر ومن الرابح في مانراه، وما وصلت اليه التجاذبات خلال الشهور المنصرمة؟
يهتم المرء هنا ودفعا لالتباسات عديدة، مصدرها الاحكام الجاهزة، الى تكرار البحث في حقيقتين تبدآن بسؤال، حول ما اذا كان العراق هو بؤرة تغيير في محيطه، مع انه يغوص منذ نصف قرن تقريبا في سياقات انقلاب تاريخي لا يخلو من مظاهر كارثية. هذه الحالة، لها بالطبع اعتباراتها ومترتباتها الاقليمية والدولية، وهي تختلف عن اعتبار مايحدث في هذه البلاد مجرد حالة وساحة تراكم احداث غير عادية. هذا اولا، اما المسالة الثانية الحرية بالاهتمام، والمتلازمة مع الاولى، فهي، قضية الفعل الذاتي العراقي، وتجلياته وسط الحالة العامة وحالة الانهيار القصوى. لقد اشرنا مرارا الى الظاهرة الجديدة التي برزت منذ عام 2008، وتكرست خلال الانتخابات المحلية خلال الشهر الاول من عام 2009، ومن ثم ظاهرة الاحتجاج، وهبة التظاهرات العامة، وبالاخص في الجنوب ضد احتلال ايران بئر الفكة النفطي. واخيرا انتفاضة الكهرباء القريبة، والتي عادت تتجدد في الناصرية منذ يومين، بعد خمود نجم، عن اسباب تتعلق برغبة المجتمع بالتعبير عن نفسه باستقلال عن القوى والاحزاب الطائفية.
هذه الظاهرة اي بروز التحرك او بدايات الحضور الاجتماعي والذاتي المستقل عن القوى والاحزاب المتسيدة والمشاركة في "العملية السياسية الاميركية"، تستحق ان تتابع، وان ينظر في تمظهراتها في ضوء التطورات المختلفة، وبالخصوص منها، الحالية التي اودت الى نهاية "العملية السياسية الاميركية" وفرضت اعتماد الانقلاب الصامت كما هو حاصل الان. ولا شك ان قوى مثل التيار الصدري، او المجلس الاعلى، اللذين يواجهان الان ضغوطا شديدة من ايران لمصلحة المالكي، او تيار علاوي، الذي يتعرض على المنقلب الآخر، الى ضغوط اميركية للأسباب نفسها، لن يلبثوا جميعا ان يكتشفوا، بأن الخيارات امامهم قد ضاقت. وان مابقي هو اما المعارضة، واعتماد القتال ضد المالكي والاميركيين والايرانيين، او الانضواء تحت سقف عملية سياسية ماتت. والآثار التي ستنجم عن الخيار الثاني، لن تكون عند وقوعها متساوية الاثر على الجميع.
وبعض هؤلاء، سيكون مضطرا، مثل التيار الصدري، الى المفاضلة بين الانتماء الى القوى الوطنية العاملة خارج العملية السياسية، واتباع النهج المؤدي للانتقال الى "العملية السياسية الوطنية"، او تقبل المزيد من الخسارة، على مستوى التصنيف ضمن الموقف والاصطفاف الوطنيين. وفي عموم الاحوال فان الانقلاب الحالي، غير المعلن، ونتائجه، سوف تؤدي الى مزيد من الاستقطاب. والحركة الشعبية العفوية، وخيار الانتقال الى "العملية السياسية الوطنية" وشعار التحرير، سيتمتع من هنا وصاعدا بزخم هائل.
واذا اعادت الحركة الوطنية، ترتيب صفوفها، وتلاقت مع تيار نهوض المجتمع المتنامي عفويا وذاتيا، المهتدي بالحقائق الوطنية الثابتة والتاريخية ضد الطائفية والمحاصصة ومشاريع التقسيم والاحتلال، فإن العراق سوف يدخل زمنا آخر، والحسابات والتقويمات وقتها لما يعيشه العراق فعلا، وما ينتظره وينتظر المنطقة، ستتبدل كليا.
(كاتب عراقي )
"النهار"




















