سوف تجتاز الصين، جنبا إلى جنب مع الهند والبرازيل، الأزمة الاقتصادية الراهنة بصورة جيدة، وسوف تستطيع تحقيق استدامة لنموها الاقتصادي خلال السنوات المقبلة. والصين، على وجه الخصوص، لديها القدرة على تحقيق نمو مستدام، إذا ما تمكّنت من إدارة التغير الهيكلي في أبعاد عِدّة.
أولا، تمر الصين حاليا بمرحلة الانتقال إلى الدخل المتوسط في أجزاء منها، في الوقت الذي تنضب محفزات النمو في قطاع التصدير، وبشكل بارز في قطاع التصنيع منخفض الدخل على امتداد الساحل الصيني.
ولا بد من أن تحلّ محلّه محفّزات أخرى مثل قطاع الخدمات. وبالنسبة للمستهلك المحلي، فلا بد أن يكون ذا أهمية أكبر، حتى يكون هناك توافق أفضل ما بين القدرة الإنتاجية للاقتصاد والطلب المحلي.
ثانيا، سوف يتعين على الصين وضع قدر أكثر من الدخل في أيدي قطاع العائلات، من أجل تحفيز النمو من داخل السوق المحلي. وهذا يعني الإحجام عن المستويات المرتفعة جداً من الاستثمارات في الشركات والقطاع العام، حيث يتراجع العائد الحدّي على الاستثمار.
ويعد الدخل الذي يمكن إنفاقه كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي منخفضاً، ويرتفع معدل المدخرات، حيث يقدر بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي.
ثالثا، يتعين على الصينيين خفض الفائض في حساباتهم الجارية في إطار الاقتصاد العالمي، أو سوف يواجهون برد فعل سيئ من الخارج، على سبيل المثال في صورة إجراءات حمائية. فلو تمكنوا من تخفيض الفائض فسوف يساعد ذلك الاقتصاد العالمي، ولكن سوف يساعد أيضاً على زيادة الطلب المحلي والدخل العائلي.
وبسبب الرؤية طويلة الأمد التي تتبناها القيادة الصينية، فإن هناك مستوى مرتفع من الإدراك لديها لأهمية تطوير الاقتصاد الصيني.
وبالنظر لما تطمح إليه القيادة هناك في ما يتعلق بمستقبل الصين خلال 10 أعوام أو 20 عاماً مقبلة، فإنهم يعلمون أن الاقتصاد المتقدم، الذي عليه الحال في الصين اليوم، لا يمكن أن يقوم على التصنيع المعتمد بشكل مكثف على العمالة من أجل التصدير.
لقد رأت الصين كيف تمكنت كوريا الجنوبية من تحقيق النقلة إلى مرحلة الدخل المتوسط. وأنا متأكد من أنهم يقومون بدراسة هذه التجربة عن كثب.
أما بخصوص ارتباط ما يسمى «المعجزة الألمانية» بالمعجزة الصينية، فإن الاقتصاد الألماني يؤدي أداء طيبا، وذلك لسببين مترابطين: الأول أن قطاع التصدير غاية في الصحة.
وهذا نتيجة لحقيقة مفادها أنه على مدار العقد الماضي، مرت ألمانيا بعملية كبيرة لإعادة هيكلة اقتصادها، والتي دفع خلالها العمّال بعضا من الدخل في مقابل أمان وظيفي أفضل، وأتيحت مرونة أكبر في إجراءات التعيين والفصل من العمل.
كما أتاح نظام المشاركة في العمل، كبديل عن التسريح خلال فترة الركود، الفرصة للشركات الرئيسية لاستعادة العمّال ذوي الكفاءات إلى مسيرة العمل بسرعة، في الوقت الذي يشهد الطلب ارتفاعا. وكل هذه الإصلاحات أهّلت الشركات الألمانية لأن تكون في وضعية أكثر تنافسية.
السبب الثاني، وكما ذكرت آنفاً، فإن الأسواق الناشئة الكبرى من الصين إلى البرازيل، لم تنجح في فقط في استعادة النمو، ولكنها تمكنت أيضاً من استدامته. وقطاع التصدير في ألمانيا في وضعية قوية للاستفادة من ذلك. لذا، فإن «المعجزة الألمانية» هي ما مكّنت ذلك البلد من الاستفادة من «المعجزة الصينية».
ويمكن أن يتعلم الغرب على وجه الخصوص، الطريقة التي تفكر بها الصين، في ما يتعلق بمسألة تطوير الاقتصاد في الأمد الطويل، وبعد ذلك وبطريقة براغماتية وغير أيديولوجية، نستطيع تحقيق الأشياء.
والديمقراطية تجعل الأمور أكثر تعقيدا واستهلاكا للوقت عندما ننتقل من وضع معين إلى آخر، كي نخلق إجماعا ونستثمر وندعم تلك الأشياء التي تحقق نموا مستداما طويل الأمد. وليس من المستحيل تحقيق ذلك في ظل ديمقراطيات اليوم بالطبع. فقد عدّلت البرازيل وضعها، ويبدو أن الهند تفعل الشيء نفسه. لذا فهناك شيء يجب تعلمه منها أيضاً.
وبالنسبة لأميركا، فقد ذكرت في إحدى المناسبات أنني ينتابني شعور مرير حيال مستقبل أميركا. فعندما يفقد الناس إحساسهم بالتفاؤل، فإن ذلك يؤدي إلى تقلبات أكثر.
والمستقبل الذي أخشاه أكثر من غيره بالنسبة لأميركا، هو مستقبل المجتمع الأميركي اللاتيني، وهو المجتمع غير المتكافئ بشكل كبير، الذي يميل إلى تقلبات حادة من الشعبوية إلى النزعة المحافظة للغاية، الأمر الذي يجعل وجود حكومة واعية أمراً شديد الصعوبة.
ولا أعلم كيف يمكن التوصل إلى طريقة سياسية للحيلولة دون تحول أميركا إلى نموذج أميركا اللاتينية، ولكنني أعتقد أنه لا يزال هناك توجه وسيطي غير أيديولوجي في أميركا، وهو توجه وطني، ولكنه ليس مفرطا في هذا الاتجاه.
فقد كنا يوما ما أمة براغماتية للغاية، لديها القدرة على التصالح من أجل دفع الأمور إلى الأمام.فلو أننا نؤمن بما نقوله من أن أميركا هي أرض الفرص للجميع، وهو الأمر الذي يجعل الناس يريدون المجيء إلى هنا، فإننا نحتاج إلى سياسات تحقق ذلك على أرض الواقع.
الكثيرون قلقون من ارتفاع معدل البطالة العنيد في الولايات المتحدة، ولكنهم يعتقدون بأننا سوف نعود إلى المعدل الطبيعي بعد زوال الركود. ولكن العودة إلى ما كنا عليه أمر غير واقعي.
سوف يتجاوز نصيب الاقتصادات الناشئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي نسبة ال50، خلال فترة ليست بالبعيدة جداً في المستقبل. إننا في عالم متغير، فليس لدينا خيار أن نظل جامدين ونستقر عند جمود سياسي لا نهاية له.أعتقد أن أميركا يمكن أن تتغير، ولكن للأمانة، فإنني لا أرى الإرادة السياسية للقيام بذلك في الوقت الراهن.
كاتب أميركي
"البيان"




















