منذ السنوات الأولى لقيام دولة إسرائيل اعتمدت حكومتها سياسة مبرمجة وطويلة الأمد للسيطرة المباشرة على أراضي بدو النقب، وبناء مقرات عسكرية إسرائيلية بالتزامن مع بناء مزارع حكومية وخاصة على أراضيها الزراعية الخصبة. وبما أن نسبة الولادات عالية بين بدو فلسطين، ارتفع عددهم من قرابة خمسة عشر ألفا في العام 1948 إلى قرابة 165 الفا في العام 2010، يمثلون حوالي 12% من إجمالي عرب فلسطين. كما أن نسبة الوفيات في صفوف اطفال البدو مرتفعة، وقد تجاوزت 15 بالألف في العام 2006 مقارنة بنسبة 3 بالألف في صفوف الأطفال الإسرائيليين. وذلك مؤشر على السياسة غير الانسانية التي تمارسها اسرائيل ضد الاقلية البدوية في صحراء النقب بشكل خاص، وضد الجماعة العربية في فلسطين المحتلة بشكل عام.
تخوفت حكومات إسرائيل المتعاقبة من النمو الديموغرافي الكبير لبدو النقب الذين يتوالدون بكثرة. فلكل اب قرابة ثمانية أولاد كمعدل وسطي. مما اعتبر خطرا كبيرا على البنية السكانية في اسرائيل. لذلك لجأ قسم من البدو الى كتمان عدد من أولادهم خوفا من الانتقام. وكانت النتيجة أن رفضت حكومة إسرائيل الاعتراف باكثر من نصف سكان البدو المقيمين في صحراء النقب. لكنهم مصرون على البقاء في ديارهم، ومنتشرون في خمس واربعين قرية، يعانون التهميش وطمس الهوية. وقد زادت حدة القمع في السنوات الخمس الماضية بوتيرة كبيرة مع استقدام عشرات الاف المستوطنين الجدد، خاصة من روسيا. وحسب تقارير وزارة الداخلية الاسرائيلية، ارتفع عدد عمليات الهدم التي قام بها الجيش الإسرائيلي ضد بدو النقب من 143 عملية في العام 2005 إلى 367 عملية في العام 2006.
وبتاريخ 27 تموز 2010، هاجمت القوات الإسرائيلية قرية العراقيب في منطقة النقب. فهدمت منازل البدو، واقتلعت الخيام والأشجار، وتركت السكان في العراء. وحملت مولدات الكهرباء، وصادرت السيارات والجرارات وجميع وسائل النقل والزراعة، ولم تبق اثرا للقرية تحت ذريعة أن بيوتها قد بنيت دون ترخيص من الحكومة الإسرائيلية. وسبق لهذه القرية وغيرها من قرى البدو في النقب أن تعرضت مرارا للتدمير بعد ان رشت أراضيها الزراعية بالمبيدات السامة من الجو. وهي سابقة خطيرة أن تباد معالم الحياة في قرية أو عدة قرى بدوية، ويتهدد مصير أكثر من مائة وستين ألف نسمة من البدو المنتشرين في خمس واربعين قرية معرضة للهدم والجرف والتدمير الكامل دون أن تتحرك أي منظمة عالمية من منظمات حقوق الانسان.
لقد كشفت الاحصائيات الأخيرة حجم المأساة التي تعرض لها بدو النقب. فقد كانوا يتنقلون في منطقة تزيد على سبعة ملايين دونم كانت تسمى أراضي البدو، وذلك وفق التقسيمات العثمانية القديمة. ويعاني الآن أكثر من خمسة وثمانين ألف بدوي من أوضاع صعبة في جميع قراهم بسبب الارتفاع المخيف في حجم البطالة، والفقر، والأمية، وعدم إعتراف اسرائيل بوجود قسم كبير منهم. وهي مستمرة بهدم منازل البدو وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة. إذ تنعدم في كثير من قراهم الخدمات الأساسية كالكهرباء والصحة والتعليم والصرف الصحي، وترفض السلطات الإسرائيلية الاعتراف اصلا بأن صحراء النقب هي أراض تاريخية للبدو بل تعتبر ملكيتها لدولة إسرائيل بصفتها "الوريث الشرعي" للسلطنة العثمانية. كما ترفض الإعتراف بقسم كبير من بدو النقب كمواطنين اسرائيليين لهم الحد الأدنى من الحقوق على أرض يعيشون عليها منذ مئات السنين. وتعمل على تهجيرهم بالقوة عنها لاسكان مستوطنين يهود من مختلف دول العالم. وفي العقدين الأخيرين أنشأت دولة إسرائيل أكثر من ستين مزرعة يهودية جديدة في منطقة النقب، ومدت إليها الطرقات المعبدة، وجرى ربطها بشبكات الكهرباء والمياه، وحصل أصحابها من المستوطنين الجدد على تصاريح للبناء على أراض ليست لهم. بالمقابل، تشددت حكومة اسرائيل بطرد سكان البلاد الأصليين لعدم وجود وثائق ملكية للأراضي التي عاشوا عليها منذ قرون وورثوها عن آبائهم واجدادهم. وتمنع إسرائيل عن بدو فلسطين حق المواطنة لأن نسبة كبيرة منهم تمنعت عن الانخراط في الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، وهي تعتبر أن ولاءهم لدولة اسرائيل مشكوك فيه. ختاما، استخدمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة شرعة القوي الذي يسيطر على الضعيف بكل وسائل الترهيب المعروفة، كالقمع، والتعسف، والتهجير، ومصادرة الأراضي، وطرد السكان، والحصار الاقتصادي، والتجويع، والافقار، والأمية، والتصحر، والحرمان من حقوق المواطنة، وعدم احترام ابسط حقوق الانسان المنصوص عليها في الشرائع الدولية. فتقلصت حاليا مساحة المنطقة المأهولة بالبدو العرب أصحاب الأرض الأصليين في صحراء النقب إلى أقل من مائتين وأربعين الف دونم من أصل مساحة كانت تحت سيطرتهم في صحراء النقب تقدر بحوالي ثلاثة عشر مليون وخمسمائة ألف دونم.
ويفتقر بدو النقب اليوم إلى كل اشكال الحماية والرعاية الطبية والاجتماعية باستثناء ما يحصلون عليه من منظمات غير إسرائيلية. وفي ظل التقاعس العربي المتمادي على جميع الصعد، فرغت صحراء النقب من سكانها البدو كما تفرغ فلسطين من سكانها العرب. وفي زمن العربدة الإسرائيلية والبداوة العربية التي فقدت الكثير من قيمها المعروفة، يسير تاريخ العرب في الاتجاه المعاكس لحركة التطور العالمي، ويتم تهجير البدو بدل توطينهم وإدخالهم عالم الحداثة.
"المسقبل"




















