ليس المهم أن تكون "المهمة القتالية الاميركية في العراق قد انتهت" كما أعلن الرئيس باراك أوباما فجر أول من امس. المهم ان يكون القتال الدموي والكارثي في العراق قد انتهى. وهو أمر لم ينته لكنه يتفاقم!
لقد كان مؤلما، لا بل كان فاجعا أن يقرأ المواطن العربي في هذه المنطقة البائسة، كلمات الرئيس الاميركي، الى جانب تعليقات الكثيرين من الذين يفجعهم فعلا ما آلت اليه أوضاع العراق، وقد بات أشبه بمستنقع للدم والمآسي.
وهكذا عندما يقول أياد علاوي ان العراق ينزلق الى مستوى الدولة الفاشلة، مذكرا على سبيل المثال بأن العراق شهد أخيرا 13 عملية تفجير انتحارية في يوم واحد، أدت الى سقوط أكثر من 300 قتيل وجريح، فإن كل حديث عن عملية "حرية العراق" التي بدأت عام 2003 و"انتهت" قتاليا في 31 آب 2010 (هل انتهت فعلا؟) انما هو تذكير جارح ولكن ضروري، بأن الزرع الأميركي للحرية والديموقراطية في العراق لم يكن حصاده إلا هذا الطوفان من الدم، ربما لأن ليس في وسع جنازير الدبابات ان تكتب سوى لغة القتل وأبجدية الدمار.
❐ ❐ ❐
لم يكن ثمة ما يدعو الى الحبور باعلان انتهاء المهمة القتالية الاميركية في العراق، كان هناك ما يدعو الى الخجل. ولكن ما نفع الخجل اذا استمر طاعون الارهاب ينهش في العراق؟
وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس كان أكثر "واقعية" من أوباما عندما قال: "ان العنف الطائفي من مظاهر الحياة اليومية في العراق. وأن تنظيم القاعدة هُزم ولكنه لم يرحل".
هذا كلام فيه شيء من المخاتلة وشيء من الاقرار بالفشل. فالعنف الطائفي لم يكن من مظاهر الحياة اليومية في العراق. وتنظيم "القاعدة" لم يكن هناك ايضا ولكن ما حصل هو أن دبابات الحرية رحلت وبقيت هجمات "القاعدة"!
ربما لهذا كان على أوباما وهو يلقي خطابه ان يتعرّق من الاحراج قبل ان يخاطب العالم بالقول:
"لقد كنا على قدر مسؤولياتنا في هذا الفصل المشرِّف من تاريخ الولايات المتحدة والعراق".
المشرِّف… ولكن من أين وكيف؟
واذا كان أوباما قد وصف الحرب في العراق قبل أن يصبح رئيسا بأنها كارثة، فكيف له الآن ان يتحدث عن تحمل المسؤولية والفصل التاريخي المشرّف؟
صحيح أن أوباما أراد عشية انتخابات الكونغرس النصفية الوفاء بوعده الانتخابي بإنهاء المهمات القتالية الاميركية في العراق في نهاية آب من هذه السنة، ولكن في إشارته الى التضحيات والأثمان الباهظة التي دفعتها اميركا في العراق، وكذلك في اعترافه الصريح بالصعوبات والأخطار التي تواجه الجنود الاميركيين في أفغانستان وباكستان، بدا كأنه يتحدث عن أمبراطورية تتلمس مرارة الفشل في أمكنة كثيرة.
واذا كان "الوقت لم يحن بعد للاحتفال بالنصر، ولا يزال هناك الكثير من العمل يتعين أداؤه" كما يقول الرئيس الاميركي، فهل من يصدّق، ان وقت الاحتفال بالنصر يمكن ان يحين قبل أن تصحح "الامبراطورية" الاميركية قواعد خروجها الى العالم، وخصوصا الى هذا العالم الممتد من شمال شرق باكستان الى جنوب غرب موريتانيا؟
❐ ❐ ❐
إن الولايات المتحدة الاميركية وادارة أوباما تملكان الآن فرصة للتصحيح واعادة تظهير صورة "الوجه البشع". إنها الفرصة السانحة التي أشار اليها أوباما في خطابيه في القاهرة وأنقرة، أي تصحيح العلاقة بين أميركا والعالمين العربي والاسلامي من خلال حل مشرف عادل ودائم للقضية الفلسطينية.
ومع بدء المفاوضات المباشرة بين الرئيس محمود عباس وبنيامين نتنياهو، قد يكون من الملائم أن يتذكر أوباما وغيره في الادارة الاميركية، أن الحديث عن دفع الأثمان الباهظة في العراق وغيره، يفترض ان يقود الى اكتشاف المعادلة السحرية التي تتمثل في ليّ ذراع نتنياهو وزمرته توصلا الى إقامة الدولة الفلسطينية وحلّ أزمة الشرق الاوسط على أساس مبدأ الارض في مقابل السلام، وعندها فقط يمكن البدء باعادة ترتيب علاقات تقوم على الثقة والتعاون والمساواة بين أميركا وهذا العالم الذي أشرنا اليه.
واذا كان أوباما قد حرص على تذكير الاميركيين بأنه يفي بوعده بالانسحاب من العراق، فعليه أن يتذكر على الاقل وعوده الزهرية الكثيرة الى العرب والمسلمين.
كانت سبعة أعوام من المآسي والقتل وصار في العراق نهر ثالث يفيض بالدم بين دجلة والفرات. واذا كان قائد الأركان في الجيش العراقي بابكر زيباري يقول ان هذا الجيش لن يكون مستعدا لتولي المهمة قبل سنة 2020 فإن من حق العراقيين أن يلازموا القلق والخوف، رغم المضحك – المبكي الذي يتمثل في قول نوري المالكي أمس:
"ان العراق اليوم سيد ومستقل"، وقد رد عليه علاوي بالقول: "إن المالكي يعجز عن حكم مساحة كيلومتر واحد في بغداد"!
"النهار"




















