طلّ الملوحي لمن لا يعرفها صبية سورية، لم تصل بعد العشرين من العمر، طالبة في الثانوية العامة، مدونة نشيطة ومهتمة بالشأن العام. منذ حوالي تسعة أشهر، اختفت طل عقب استدعائها من قبل إحدى الأجهزة الأمنية، وكأنها لم تكنّ. استمر السعي الحثيث من اجل اطلاق سراحها، وإنهاء معاناتها وأسرتها، التي هي معاناة لمعظم السوريين الذين يعرفون ماذا يعنى أن تعتقل شابة صغيرة ، وتختفي لأشهر طويلة من غير أن يعرف عن مصيرها شيئ. لكن دون جدوى حتى تاريخه، وبالتناقض مع كل ما يكفله الدستورالسوري من حقوق المواطن وأمنه.
قضية هذه الفتاة ، تعيد إلى الواجهة قضية أشقاء لها من شباب وصبايا سورية، والذين ما من ذنب اقترفوه سوى الإفصاح عن آرائهم في حياتهم ومجتمعهم وما يجري من حولهم، قولاً أو كتابة، سواء في الحياة اليومية أو في الفضاء الافتراضي، وربما مضى بعضهم إلى أبعد من ذلك بقليل في خطوات لا تتعدى الحراك السلمي والعلني الباحث بحرص عن مستقبل سورية وأبنائها.
في قضية طلّ الملوحي والقضايا المماثلة التي وجد شبان سوريون أنفسهم قيد الاعتقال بسببها، ما يدفعنا إلى التفكير في الأمر بجدية ومسؤولية نحن السوريين، وفي أي موقع نكون فيه من الدولة والمجتمع، سواء في السلطة أم في المعارضة، في الأجهزة والمؤسسات جميعاً، من خلال التذكير والقول: إن من حق أبنائنا بل من حق جميع مواطنينا دستوريا وقانونيا وفي كل ماتعنيه أساسيات الحياة المجتمعية في هذا العصر، أن يفكروا، وان يكتبوا، وان يعبّروا عن كل ما تجيش به انفسهم دون خوف أو وجل. بل أن يفعلوا كل ما يرغبون به، طالما انه سلوك غير عنفي . وبخاصة أن أبناءنا في مرحلة عمرية أساسها النمو والتجريب والاكتشاف، وما يفترضه كل ذلك من اختبار الذات وإمكانياتها، ومحاولة فهم وقائع المحيط ومعطياته، والرغبة المندفعة في المساهمة بصنعه وتغييره. فوق ذلك، فان من حق أبنائنا، ان نرعى تجاربهم تلك، لا أن نقطع معها، بحجة عدم صلاحيتها أو بادعاء أنها لا تحتاج إلى الاستفادة من سابقاتها. وحتى لو خالفتنا تجاربهم وتعارضت معنا ، فإن من واجبنا ان نضعها تحت العين، وان نشاركهم بعد حدوثها واكتمالها، بالحوار حول الصحيح والخطأ فيها، متذكرين دوما أنهم مستقبلنا.
في قضية طلّ وغيرها كثيرمن الشباب السوري، الذين ووجهوا بالاعتقال والاختفاء والأحكام الصورية فضلا عن العقاب الجماعي الذي يطاول العائلات بحرمانها من معرفة مصير أبنائها شهورا طويلة كما هو الحال مع طل وأسرتها، هناك كالعادة ضرب بالحائط بجميع القوانين والمواثيق ذات الصلة بحقوق الانسان والمواطن، والتي تجعل من مثل هكذا ممارسات تعسفية جائرة، جرائم يعاقب عليها مرتكبوها في دولة تحترم انسانها ودستورها.
لكنها أيضا، تعني استبعاد هذه الشريحة الهامة في مجتمعنا الفتي، من أن توجد وأن تكون وأن تعبر عن نفسها وتستشعر انتماءها لهذا المجتمع وهذا الوطن.
مثل تلك الممارسات لا تعني إلا جيلا مغتربا عن كل ما حوله، لديه حلم، لكنه لا يمت بصلة إلى أرض الوطن وناسه ومستقبله. وصار من المطلوب إنهاء هذه الغربة ، وجعل ذلك بمثابة درس سوري عام لجميع القضايا المماثلة.




















