أمين قمورية
لائحة المكاسب التي حققتها اسرائيل في غضون ستة اشهر من التهدئة في قطاع غزة طويلة جدا، اولها انها اتاحت لجيشها مواصلة خططه لاعادة التأهيل عقب اخفاقات حرب لبنان الثانية، وثانيها انها شكلت رافعة لمستوى التنسيق مع مصر ومنعت تسلل "مشكلة" غزة الى مصر من دون ان تقدم القاهرة تنازلات لـ"حماس" في مسائل مهمة لاسرائل مثل فتح معبر رفح، واطلاق سجناء الحركة المعتقلين في السجون المصرية. وثالثها انها ساهمت في منع انهيار السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحسنت الوضع الاقتصادي فيها وعمقت الصدع الفلسطيني – الفلسطيني، ورابعها انها نزعت فتيل التوتر على الحدود مع لبنان حيث من الطبيعي ان يتفاعل "حزب الله" بقوة مع ما يجري في غزة. وخامسها انها اعادت تعويم العلاقات بين اسرائيل و"المعتدلين" العرب. والاهم من ذلك كله انها انزلت اسرائيل من شاشات التلفزيون في اوروبا واميركا ولم تعد قوة البطش التي تقتل اطفال غزة، كما انها منحت الادارة الاميركية فرصة للتركيز على شؤونها في العراق وافغانستان.
في المقابل فان لائحة المكاسب التي حققتها "حماس" في الفترة نفسها ليست قليلة ايضا، واولها انها اعطتها فرصة كافية لالتقاط الانفاس بعد معاركها الاخوية مع حركة "فتح" والمطاردات الاسرائيلية التي انهكت بنيانها التنظيمي. وثانيها انها استفادت منها لتعزيز قدراتها الميدانية والتسليحية والتدريبية والاستعداد لمواجهة الجيش الاسرائيلي اذا ما قرر دخول غزة لفرض قواعد لعبة سياسية جديدة. وثالثها انها كرستها العنوان الرئيسي لغزة والمفاوض "الرسمي" باسم فلسطين القطاع. ورابعها انها كشفت عن وجهها قوة سياسية غير منغلقة على ذاتها مستعدة للاخذ والرد، وان تكون مفاوضا بديلا قادرا على الالتزام والضبط. وخامسها ان التهدئة لم توقف الحصار المضروب على مناطقها وتاليا ظلت الضحية مما اكسبها ورقة التضامن الشعبي المحلي والعربي والاسلامي لاستخدامها في اللعبة الداخلية قبل نهاية الولاية القانونية للرئيس محمود عباس في محاولاتها لنقل هذه الولاية اليها، اي انها جعلت ورقة الحصار الاسرائيلي الخاسرة ورقة رابحة في يديها، واستغلتها ايضا لعدم ارجاع جلعاد شاليت الى اهله وتاليا حرمان اسرائيل من ورقة رابحة.
وعلى رغم هذه "الانجازات"، فان الحكومة الاسرائيلية التي تعيش حمى انتخابات داخلية، تجد نفسها منقسمة على نفسها بين فريق يعتبر مكتسبات اسرائيل نصرا سياسيا يريد توظيفه في معركته الانتخابية، وفريق يرى في مكاسب "حماس" خسارة لاسرائيل لانها لم توقف اطلاق الصواريخ التي يتعين وقفها بأي ثمن، بالنار وبالحديد والبارود. وهكذا فان هذه الحكومة لا تستطيع أن تطلب تمديد التهدئة حتى لا يلتف عليها اليمين ويسحقها تحت ضرباته المتشددة. كما أنها لا تستطيع التخلي ايضا عن مكتسباتها حتى لا تسقط آخر أوراق التوت عن تياري الوسط واليسار المستمرين في التراجع.
وفي المقابل، فان "حماس" التي عينها على غزة وعينها الثانية على الضفة، تجد نفسها ايضا على رغم مكتسباتها الكبيرة، في حيرة بين اتجاهين: اتجاه يحرجها بالسؤال عن معنى استمرار التهدئة اذا لم توصل الى رفع الحصار، واتجاهها الضمني الذي يريد المحافظة على الاثنين معا: تهدئة وحصار في آن واحد لكن من دون اتفاقات معلنة او تفاهمات ملزمة.
وجاء الحل بالمعادلة "السحرية": هدوء من دون اتفاق تهدئة، واذا لزم الامر فتصعيد "تحت السيطرة" في انتظار وضع قواعد جديدة للعبة. وهكذا انتهت التهدئة وفتحت الحسابات قبل فتح المعركة الموعودة التي طالما هدد الطرفان بنارها وشرها. فاسرائيل التي راحت تهدد وتتوعد بالويل والثبور اذا خرق وقف النار، وقفت تحسب ألف حساب قبل ان تنجر الى مغامرة عسكرية غير مضمونة النتائج على غرار ما حدث معها في حرب لبنان الثانية، وخصوصا انها الآن على عتبة انتخابات حامية. وفي المقابل فان قادة "حماس" الذين أعلنوا نفض أيديهم من التهدئة نجحوا في ان يفرضوا على اسرائيل المحافظة على الهدوء النسبي ومنع الانفجار الكبير. ولعلهم بهذه المناورة دخلوا طرفا في الانتخابات الاسرائيلية ليس بالعمليات الانتحارية، كما كان يحصل في السابق، انما بالعمليات السياسية. والأهم من ذلك ان غزة لم تعد ساحة سائبة للعب الانتخابي يقرر الاسرائيلي استخدامها متى شاء، وأينما شاء،وكيفما شاء.
"النهار"




















