عبدالله اسكندر
الظاهر حتى الآن ان الجدل في لبنان على الاستراتيجية الدفاعية الوطنية يقتصر على الجوانب التقنية. وهذا ما تضمنته الاوراق المقدمة الى طاولة الحوار الوطني. اذ تدور كلها في اطار نظري لكيفية تنظيمٍ لقوى مسلحة، مطعون فيها على نحو مباشر او غير مباشر، بحسب صاحب النظرية.
ويبدو في الوقت نفسه ان اهمية الحوار لا ترتبط بإمكان التوصل الى تفاهم وطني على الاستراتيجية الموعودة، ووضع ثوابت يلتزمها الجميع، وإنهاء حال الصراع العضوي بين اطراف التركيبة اللبنانية، وانما في كونه صمام امان موقت للنزاع الداخلي ومناسبة لتأكيد مناخ التهدئة، عشية انطلاق الحملة الانتخابية البرلمانية المقررة في الربيع المقبل. وهذا هو رهان الاطراف التي يعتبر كل منها ان نتيجة الاقتراع ستحدد، مع قضايا اخرى، الاستراتيجية الدفاعية، فيعمل على رمي الشعارات الأكثر تعبوية واستقطابا للناخب ابن الطائفة، من دون ان يسعى احد من هؤلاء الى ان يجعل الحملة الانتخابية مناسبة للتفكير بطبيعة هذه الاستراتيجية، واستقطاب الناخب المواطن.
وواضح ان فريقي الخلاف، قوى 14 آذار من جهة و «حزب الله» وحلفاءه من جهة اخرى، يعتبران ان وظيفة الاستراتيجية الجديدة تحييد سلاح الحزب ومن ثم إلغاؤه، او ان هذه الوظيفة تثبيت لشرعية هذا السلاح. ولذلك تحولت هذه الاشكالية الى حوار طرشان، لأنها – في الحالين – ترتبط بوضع سياسي راهن، تقيّد مساعي معالجتها ضرورات هذا الوضع بشقيه الداخلي والاقليمي، خصوصا الموقف السياسي من اسرائيل، حربا او سلما.
وبذلك تناسلت هذه المشكلة منذ ان قامت دولة لبنان الكبير. ولم تعمل الطبقة السياسية فيه سوى إدارة اوضاعها الراهنة، متجاهلة الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والتنموية في اي مشروع وطني، باستثناء التجربة الشهابية القصيرة التي اجهضتها الطبقة السياسية نفسها.
ومثل اي قضية وطنية في بلد مثل لبنان، متعدد الطوائف والنزاعات، لن يكون مصير اي استراتيجية دفاعية افضل من غيرها، ما دامت وظيفتها معالجة مشكلة سياسية راهنة. اذ ستستنسخ المشكلة مجددا عندما يحصل اي تغيير في موازين القوى التي أنتجتها. وتاريخ لبنان الحديث استنساخ للمشكلة ذاتها، وازمات متتالية تطور بعضها الى حروب داخلية، لم تنجح المعالجات اللاحقة في وضع حد نهائي لها.
واليوم، تتكرر المنهجية ذاتها، مع فارق كبير هو عدم التكافؤ العسكري بين فرقاء النزاع، ما قد يجعل اللجوء الى التطرف من الجانبين سمة المرحلة المقبلة، مع ما يمكن ان ينطوي عليه ذلك من احتمالات اندلاع العنف مجددا.
هذه الحلقة المفرغة لا يمكن الخروج منها بوصفات تقنية، مهما كانت النيات وراءها. وانما ينبغي البناء على بديهيات الوضع التعددي في البلد وعلى معنى ارتباطه العربي. فالوضع التعددي لا يحتمل اي تطرف من اي جهة كانت، والارتباط العربي لا يشرّع التفرد بمعالجة النزاع العربي – الاسرائيلي.
واي استراتيجية دفاعية وطنية لا تأخذ في الاعتبار هذه التعددية وهموم التنمية (في كل ابعادها) لن تكون قادرة على انتاج قيادات وطنية قادرة على ادارة شؤون جميع اللبنانيين وتحوز ثقتهم، او على الاقل تكون قادرة على ان تعبر الطوائف. واي استراتيجية تقوم على توازن القوى الحالية والمرتبطة بمصلحة طرف ما لن تنتج اكثر من زعامة طائفية، سيكون الطعن فيها اكيدا لدى ظهور ملامح اي تغير في التوازن.
"الحياة"




















