أثارت حادثة الحذاء والرئيس جدالا ونقاشا كبيرين وأسالت الكثير من الأحبار بين معارض ومؤيد وبين من مجد فعلة الصحافي وبين من أدانها معتبرا أن سلاح الصحافي هو القلم والحجج والأدلة والبراهين والتحقيقات والاستقصاءات والبينة وليس رمي الأحذية على الرؤساء.
وهناك من رأى أن الصحافي وصل إلى حد اليأس مقتنعا بأن القلم والكلمة أصبحا لا معنى لهما في بلاد الرافدين التي تعيش منذ خمس سنوات حالة من الفوضى والحرب وعمليات القتل والتشريد والتهجير …الخ. فالصحافي انتقل من ناقل الحدث إلى فاعل الحدث وصاحبه معبرا عن ما يصول ويجول في خواطر مئات الآلاف بل الملايين من العراقيين والعرب وحتى غير العرب ومنهم الأميركيين الذين يرون أن الرئيس بوش فشل فشلا ذريعا في العراق وفي سياسته في محاربة الإرهاب.
حيث أن الأوضاع ساءت وتزيد سوءا يوما بعد يوم. والأهداف التي سطرتها إدارة بوش لم يتحقق منها شيئا فبعد ثماني سنوات لم ير الشعب الأميركي من رئاسة بوش لأميركا سوى الأزمات والمآسي والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية. وسيغادر بوش البيت الأبيض تاركا وراءه أزمة اقتصادية عالمية ستتسبب في تسريح مئات الآلاف بل ملايين العمال.
دلالات حادثة الحذاء كثيرة وتعبر عن معاني عديدة ومتشابكة من أهمها أن لغة الصحافة والكلمة والصورة أصبح لا معنى لها نظرا للالتباسات الكثيرة وللتلاعب بالإعلام وبالمؤتمرات الصحافية وباللقاءات التي اصبحت صناعة يحترفها مختصون في فبركة الوقائع والأحداث بدلا من تقديم الحقيقة والواقع للرأي.
فغزو العراق أصلا تم عن طريق أكذوبة كبيرة جدا مفادها أن صدام كان يملك أسلحة الدمار الشامل ويقيم علاقات وطيدة مع بن لادن والقاعدة. والغريب في الأمر أن وسائل الإعلام في أميركا والعالم الغربي صدقت الأكذوبة وروّجت لها كما روّجت للحرب التي لم تأت بالديمقراطية التي تغنى بها بوش وأتباعه، لا في العراق ولا في المنطقة.
الدلالة الأخرى للحادثة هي مشكلة المصداقية بين السياسي والرأي العام ومصداقية وسائل الإعلام ونزاهتها وإلتزامها بخدمة الحقيقة من أجل تنوير الرأي العام والجمهور وخدمة المصلحة العامة. حادثة الحذاء تدل على تحول دولة عظمى بحجم أميركا من راعية الحرية والديمقراطية في العالم إلى دولة تنتهك حقوق الإنسان، من دولة مبادئ ويلسون وجيفرسون وجورج واشنطن إلى دولة غوانتنامو وأبو غريب وانتهاكات لا تحصى ولا تعد في العديد من دول العالم باسم الحرب على الإرهاب.
ونشر الحرية والديمقراطية في العالم. دلالة أخرى لواقعة الحذاء تتمثل في الأزمة التي يعيشها العالم العربي والمتمثلة في الفراغ السياسي وغياب المجتمع المدني وانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم. أمة هوت إلى القاع تقول شيئا وتفعل شيئا أخر، أمة تستهلك ولا تنتج وأمة لا تقرأ ولا تنتج العلم والمعرفة ولا تستثمر في البحث العلمي. فهناك فجوة كبيرة في العالم العربي بين الواقع والمأمول وبين الأقوال والأفعال.
تكمن دلالة حادثة الحذاء كذلك في رمزية الحدث نفسه وهو إهانة رئيس أكبر وأقوى وأعظم دولة في العالم.فالحدث في حد ذاته استأثر بتغطية إعلامية عالمية لا مثيل لها كما أنه استولى على مئات الآلاف من صفحات الانترنت والفايس بوك، أما عن النكت فحدث ولاحرج. وهذا ما يعني أن مرتضى الزيدي حقق من خلال فعلته نجاحا إعلاميا وحضورا في الميديا لا مثيل له.
والدلالة الأكبر هنا هي لماذا يحدث هذا لبوش وليس لغيره من رؤساء دول العالم؟ ولماذا يحدث هذا لبوش وهو يقوم بزيارة وداعية لدولة يدعي أنه أنقذها من جبروت دكتاتور ومن وضع مأساوي ليضعها على سكة الديمقراطية والتطور والازدهار. حدث هذا لبوش لأن ما قام به في العراق وبشهادة المحللين الأميركيين أنفسهم كان فشلا ذريعا ومغامرة كبيرة أدت إلى فوضى لا مثيل لها كلفت أميركا مئات المليارات من الدولارات وآلافا من العسكريين الأميركيين ناهيك على تشريد ملايين العراقيين وهلاك ما يزيد علي مليون شخص.
لحادثة تبقى في الأذهان وفي التاريخ لأنها جاءت لتعبر عن وداع غير مرغوب فيه من قبل الشارع العراقي ومن قبل مجريات الأحداث على أرض العراق. فالوضع في هذا البلد بعيد كل البعد عن الانفراج وعن الوصول إلى باب السلامة والأمان والعودة إلى ظروف طبيعية من دون قتلى ولا قصف ولا تدمير. الواقع عكس ذلك تماما، والعراقي البسيط يعاني هذه الأيام كل أنواع التهميش والإقصاء والمشاكل التي طالت كل القطاعات من التعليم إلى المواصلات إلى المياه والكهرباء إلى المستشفيات…الخ.
فالحادثة جاءت، ولو أنها تنافي أخلاقيات العمل الصحافي،لتعبر عما يدور في أذهان ملايين العرب من الاستياء والتدمر مما تقوم به الإدارة الأميركية الحالية في العرق والشرق الأوسط بصفة عامة. فصورة أميركا مع الأسف الشديد تزداد سوءا وقتامة يوما بعد يوم وسمعة أميركا وصلت إلى الحضيض في عهد جورج دبليو بوش الذي لم يفعل شيئا لينقذها من هذه الحالة السيئة ويكفر عن أخطائه، بل استمر في غطرسته.
ما يجمع الصحافي والرئيس عادة هو أن الأول يريد أن يحصل على معلومات من الثاني ليقدمها للرأي العام. وفي العادة يحاول الصحافي أن يكشف عيوب الرئيس وهفواته وأخطائه لإيصالها إلى الرأي العام. ومن جهته يحاول الرئيس أن يستغل وسائل الإعلام لتمرير ما يطيب وما يحلو له من رسائل وبرامج وسياسات وأفكار وأجندة…الخ إلى عامة الشعب. وفي العرف الأميركي الصحافة هي كلب حراسة السلطة السياسية أي الرئيس وحكومته.
والصحافة وفق هذا العرف تستقصي وتحقق وتبحث عن الحقيقة من أجل تقديمها للرأي العام كما هي بدون تحريف أو زخرفة أو تزويق. فالصحافة وفق هذا المبدأ لا تؤمن بالمدح والتبجيل وإنما تؤمن بالكشف عن الأخطاء من قبل السلطة السياسية والحكومة والهيئة التنفيذية بهدف التقويم والتصحيح والعمل من أجل الصالح العام.
أما في منطقتنا العربية فالكلام عن السلطة ووسائل الإعلام يعني، مع استثناءات نادرة جدا أن وسائل الإعلام أيا كانت هويتها حكومية، خاصة أو مستقلة فإنها وُجدت وتوجد لخدمة الرئيس ولخدمة الحاكم وصاحب القرار.
وفي عرف الصحافة فإن الصحافي الماهر هو ذلك الذي يلم بالمواضيع والملفات بطريقة جيدة وعند لقائه بالرئيس يستعمل دهاءه وذكاءه للكشف عن المستور بطرق مختلفة وبأساليب ذكية. اللافت للنظر أن الميديا في القرن الحادي والعشرين أصبحت في الشمال كما في الجنوب تنحاز للسلطة وللمال على حساب الحقيقة ونصرة «المعذبون في الأرض»، الأمر الذي جعل منتظر الزيدي يستعمل الحذاء بدل القلم لنقل الحقيقة للرأي العام.
mokirat@sharjah.ac.ae
"البيان"




















