فاضت أخبار صفقة طائرات "الميغ -29" بين روسيا ولبنان على حدود ذلك البلد المشرقي الصغير لتمس جواره الجغرافي والمنطقة وتعبر إلى نسق العلاقات الدولية الراهن، ومرد ذلك أن الصفقة حمالة أوجه وتجسد دلالات ومعاني تاريخية ورمزية وإستراتيجية في آنٍ واحد.
لا تمثل صفقة طائرات الميغ تعديلاً للتوازن التسليحي في المنطقة بأي شكل من الأشكال، إذ تقف الطائرات العشر التي سيحصل عليها لبنان – إذا وافق على قبول هذه الهبة – أمام حوالى 900 طائرة إسرائيلية بين مقاتلة وهجومية وقاذفات وطائرات نقل وتدريب، وعدد أقل من الطائرات لدى سوريا. وبالرغم من هذه النتيجة التي تبدو صادمة ومعروفة فقد انقسمت الآراء في لبنان بين مؤيد للهبة ومعارض لها، بسبب الدلالات المحلية اللبنانية المتداخلة والدولية التي أطلقتها صفقة "الميغ-29" من عقالها.
فبقبول هذه الصفقة يدخل سلاح الجو اللبناني عصراً جديداً، إذ ستدخل الطائرات الروسية الخدمة في الجيش اللبناني إلى جانب الطائرات الغربية القليلة العدد الموجودة بحوزته. حتى الآن امتلك الجيش اللبناني عددا يناهز العشر طائرات فقط، ما بين طائرات تدريب فرنسية من طراز "فوجا"، وطائرات مقاتلة إنكليزية من طراز "هوكر هانتر"، بالإضافة إلى ثلاث طائرات اسكتلندية للتدريب الأساسي على الطيران من طراز "بودلوغ". وبالتوازي مع العدد المحدود فقد بقي معظم هذه الطائرات في المخازن ولم تستخدم في العمليات اليومية مقارنة بالمروحيات التي يمتلك الجيش اللبناني حوالي الخمسين منها. لذلك لن تشكل صفقة طائرات "الميغ-29" تعديلاً جوهرياً في قدرات لبنان التسليحية أو لموازين القوى في المنطقة، بل ستكرس على الأرجح سيطرة وتفوق الجيش اللبناني على المخيمات الفلسطينية في لبنان، وهي القدرات التي اختبرت في مخيم نهر البارد العام الماضي.
الميغ والكلاشينكوف والرومنسية السوفياتية
لعب الكلاشينكوف تاريخياً دور القوة السوفياتية الناعمة في العالم الثالث عموماً وفي المنطقة العربية خصوصاً، واقترن بالفدائي حتى صار الكلاشينكوف قريناً للكوفية الفلسطينية المرقطة في المخيلة العربية من حيث هو "ثوري" و"جذري". أما "الدول التقدمية" فقد حرصت على اقتناء طائرات الميغ السوفياتية الصنع إعلاناً للانتماء السياسي من جهة، وموازنة للقوة العسكرية المحتلة والمتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى. واتساقاً مع هذا التقليد فقد حصلت سوريا بانتظام على طائرات الميغ التي شكلت تاريخياً العمود الفقري لسلاح الجو السوري، وكان الحرص السوري على توازن القوى مع إسرائيل علامة على سياستها الخارجية والتسليحية، حتى أن دمشق كانت تستورد كميات من الطائرات الميغ تفوق قدرات الطيارين السوريين وأعدادهم.
فائض القيمة الرمزي
اشتهر اليسار تاريخياً بقدراته التحليلية الفذة وخياله الرمزي، ولذلك كانت الفكرة المركزية لتبسيط الأمور المعقدة في علم الاقتصاد السياسي لدى التحليل الماركسي الجدلي متلخصة في الاستعانة بأعواد الثقاب لتوضيح العلاقات والتشابكات غير المنظورة، ويتجلى ذلك بمقولة أن "علبة الكبريت العادية تجسد كل تناقضات عملية الإنتاج الرأسمالي". فعلبة الكبريت الصغيرة التي تحبس قوى الطبيعة الوحشية وتتحكم بها في حيز صغير وتستطيع إشعال حرائق كبرى، تمضي في مراحل متعددة لتصل إلى الشكل النهائي، بعد التعرض لاستثمار الرأسمال بأنواعه فيها، وبعد قضاء العمال ساعات عمل شاقة عليها. ويحدد السعر النهائي للمنتج الطريقة التي يراكم بها أصحاب الأعمال أرباحهم من فائض القيمة، مثلما يحدد الأجر الذي يحصل عليه العامل لقاء قوة عمله التي باعها لصاحب العمل.
ولهذا يفرق كارل ماركس في كتابه الأشهر، "رأس المال"، بين كل من السعر والقيمة باعتبارهما غير متطابقين بالضرورة. واتساقاً مع علم الاقتصاد السياسي ورمزية الصفقة الأخيرة، فإن طائرات "الميغ-29" هي منتج صناعي، يجسد تقنيات الدمار الحديثة، مثلما يكثف كل تناقضات عملية الإنتاج. ومع دخول الميغ إلى المسرح السياسي اللبناني الصغير من أوسع أبوابه، عبر صفقة المرّ- سيرديكوف؛ فإنها تمس الأبعاد اللبنانية الداخلية وكذلك الجوار الجغرافي المباشر للبنان، وتعطيه من روحها، عابرة إلى الإقليم قبل أن تنفذ إلى قلب شبكة العلاقات الدولية الراهنة. ولأن لبنان يمثل منذ الخمسينات المسرح الرمزي الكبير للمنطقة، ويجمع في جغرافيته الصغيرة والرائعة تناقضات الشرق الأوسط سياسياً وطائفياً، فإنه كان ومازال الترموميتر الأدق لقياس حرارة التوازنات الإقليمية. ولذلك – على عكس المنطق الإنجيلي – ليس كل ما يخرج من لبنان يؤثر فيه، بل كل ما يدخل إليه، فما بالك هنا والداخل طائرات "الميغ-29"؟.
تتمثل الدرجة الأدنى من طبقات تحليل دلالات الصفقة في خلفيات وزير الدفاع اللبناني إلياس المر، سليل العائلة السياسية الأرثوذكسية، القادم من المتن معقل شعبية العائلة، والمتحالف مع فريق الرابع عشر من آذار دون أن يعدم من الروابط مع تحالف الثامن من آذار. يرجح والده ميشال المر تاريخياً كتلة انتخابية على أخرى في المتن، ويتحاشى البقاء في موقع واحد في مواجهة موقع آخر، بل يتنقل بانتظام بين المواقع على خلفية استثمار ثقل الأرثوذكس في الحراك السياسي اللبناني إلى الحد الأقصى متنياً ومسيحياً وفي النهاية لبنانياً.
على هذه الخلفية فإن إلياس المر هو الوزير الأرثوذكسي اللبناني الأول الذي يزور "روسيا الأرثوذكسية"، ويعود حاملاً الهدية الروسية الكبيرة من حجم "الميغ -29". ولا تتوقف رمزية الصفقة على وزير الدفاع اللبناني، إذ أن الصفقة ينظر إليها من بعض الأطراف على أنها تدعم حظوظ رئيس الجمهورية ميشال سليمان في الحصول على كتلة برلمانية في الانتخابات النيابية المقبلة بسماح وموافقة سوريين، وهو ما سيسحب – إن حدث – من وهج ورصيد العماد ميشال عون و"التيار الوطني الحر" الذي يقوده، خصوصاً بعد نجاحاته الإقليمية وتتويجه "زعيماً لمسيحيي الشرق" من طرف طهران ودمشق. وهكذا تدخل الميغ طرفاً في السجال المتني، كما في السجال المسيحي – المسيحي.
أما الطبقة الثالثة من الرسالة الرمزية لصفقة الميغ الروسية فهي الخاصة بالرسالة الضمنية التي يبعثها فريق الرابع عشر من آذار – عبر الصفقة – إلى "حزب الله"، ومفادها أن العد العكسي لتسليح الجيش اللبناني قد بدأ، وهو ما يضع "حزب الله" في موقف المضغوط عليه معنوياً لأول مرة منذ شهور. كما أن حجم الصفقة – على صغره – صار يضع سقفاً أدنى لمساعدات الدول المختلفة عسكرياً إلى لبنان، بحيث لا تقتصر المساعدات العسكرية على العتاد القتالي الفردي كما هي الحال الآن.
تتلخص الطبقة الأعلى من ذلك في صفقة طائرات الميغ في الرسالة التي يوجهها سعد الحريري زعيم "تيار المستقبل" إلى روسيا، ومفادها أن النفاذ الروسي إلى معادلات الشرق الأوسط يمكن أن يكون من طريق مواز لطريق "محور الممانعة"، ولا يخفى في هذا السياق أن الصفقة وزيارة وزير الدفاع اللبناني إلياس المر تأتي تتميماً لزيارة سعد الحريري إلى موسكو، ولأن انفتاح الحريري على موسكو بهذا الشكل يحمل في طياته أيضاً انفتاحاً سعودياً عليها ليس بمعنى تبديل التحالفات الدولية للسعودية، بل ربما بمعنى التنويع المحدود لها عبر الساحة اللبنانية.
تحتل روسيا المركز الثاني تقليدياً في تصدير الأسلحة بعد الولايات المتحدة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تليهما ألمانيا ففرنسا ثم إنكلترا. تصدر الولايات المتحدة الأميركية أسلحة بحوالى ثمانية مليارات دولارات في حين تصدر روسيا سلاح بمبلغ أربعة مليارات دولار ونصف المليار، والآن تعود روسيا عبر صفقات السلاح إلى المنطقة بقوة مع فارق كبير في توجيه صفقات البيع مفاده تراجع الإيديولوجيا في مقابل تقدم الصفقات التجارية والمعارك الرمزية. وتعتبر الصفقة بمعنى من المعاني رسالة من موسكو ولوبي السلاح الروسي إلى الولايات المتحدة الأميركية بأن لبنان الصغير، ولكن الرمز المهم من رموز الشرق الأوسط، لم يعد حكراً على السلاح الأميركي مثلما كان في الماضي. الأوجه المتعددة لصفقة الميغ ودلالاتها المتلاطمة تتخطى العدد الضئيل للطائرات وتجسد الحراك الدائر في لبنان ورمزيته الإقليمية والدولية.
– القاهرة
(مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية – القاهرة)
"النهار"




















