لا يخفى على أحد كيف تشكلت سوريا، كدولة؟، ومن رسم حدودها الحالية؟ وكيف أن سكانها، من عرب وكرد واثوريين وغيرهم، ارتضوا التعايش، وتعاهدوا على التعاون، وتسابقوا على الدفاع عن هذا البلد المشترك وصيانة استقلاله، لكن نزوع بعض القوى القوموية نحو الهيمنة والاحتكار والتفرّد، أثار مخاوف الكرد وغيرهم، وحثّهم على الدفاع عن ذاتهم القومية، عبر تشكيل حركتهم السياسية المنظّمة، التي حرصت على بلورة مطالبها في إطار وحدة البلاد.. لكن شوفينية القومية السائدة التي امتلكت القرار السياسي تمكّنت فيما بعد من إبعاد الجانب الكردي عن الشأن العام، وإخضاعه لسياسة تمييز قومي بغيضة، تجسّدت في العديد من المشاريع العنصرية، من إحصاء وحزام وعمليات تعريب وقوانين استثنائية، استهدفت جميعها الكرد، وعرقلت تطورهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ومع الزمن تفاقمت الآثار الخطيرة لتلك السياسة، ولم تقتصر تلك الآثار على الكرد، رغم لجوئهم لاحتكار استهدافاتها، ورغم اللامبالاة التي طبعت سلوك المكوّنات الأخرى حيالها، بل امتدت الى خارج الشأن الكردي، لتلحق الضرر بمبدأ الشراكة الوطنية التي بنيت عليها الدولة السورية من الأساس .
وفي هذا الموضوع، يمكن إخضاع تلك السياسة ومشاريعها لحسابات الربح والخسارة، انطلاقاً من المصلحة الوطنية العليا، ونتساءل عمّا جنته سوريا من تطبيقات تلك السياسة عبر أمثلة نوردها للتذكير فقط: فمدينة ديريك تغّير اسمها الى المالكية بموجب سياسة التعريب، فماذا كانت الحكمة والفائدة من وراء ذلك؟ وما الفائدة من تعريب قرية في منطقة عفرين انغرس اسمها في وجدان أهلها، وأصبح جزءاً من تاريخهم وملاعب طفولتهم؟ وبنفس القدر: ما الفائدة من تغيير اسم اللاذقية مثلاً في المستقبل إلى اسم آخر دون إرادة سكانها؟.. ومن جهة أخرى ماذا يخسر السوريون إذا تعلّم ودرس الأكراد منهم بلغتهم القومية؟ وماذا يستفيدون من تجريد مواطن كردي من جنسيته السورية؟. وبالمقابل ماذا يستفيد الأكراد من تكريد تلك المشاريع، وبالتالي احتكار النضال من أجل إلغائها؟. فالإحصاء الجائر ضحاياه جميعهم من الأكراد، لكن آثاره لا تقتصر عليهم فقط، وكذلك المرسوم 49 الذي تم تفصيله على المقاس الكردي، لكنه يشمل مناطق واسعة من سوريا، وألحق الضرر بآلاف الناس في المناطق الحدودية .
وفي الحالتين، فإن بالإمكان توسيع دائرة المطالبة بإعادة الجنسية للمجرّدين منها، من خلال طرح هذا المشروع كقضية وطنية سورية، سوف تجد بالتأكيد المزيد من الأنصار والمدافعين عن حق الجنسية، وبالإمكان أيضا حشد كل المتضرّرين في سوريا من المرسوم 49 ، بدلاّ من حصر آثاره الضارة وضحاياه في المناطق الكردية فقط، فالمتضررون منه كثيرون، سواء كانوا مقاولين أو محامين أو بنائين وعمال من مختلف الانتماءات القومية والدينية، أو أصحاب عقارات لا يجدون من يشتريها، بسبب القيود التي فرضها المرسوم عملياً على المشترين الكرد، الذين يحق لهم بموجب هذا المرسوم بيع ما يملكون، دون أن يتاح لهم امتلاك ما يريدون ، وذلك في سابقة تفوح منها رائحة التمييز القومي الذي يثير الغيرة بين أبناء الوطن الواحد، مثلما يفعله التمييز في البيت الواحد من غيرة بين الأخوة، تولّد الحقد والضغينة والاحتقان..
ومن هنا، فإن الجميع مطالب بالتعاون لإلغاء هذه السياسة الاستثنائية بحق شعبنا الكردي، لما لها من آثار خطيرة تجد تعبيراتها في انتعاش ظاهرة الشعور بالاغتراب في الوسط الكردي، وبروز التوجّهات والشعارات غير الموضوعية، وازدياد وتيرة الهجرة الى الداخل، وما تسببه من أزمات حادة في توفير الخدمات والسكن وفرص العمل والتعلّم، وما ينجم عن ذلك من حالات الانحراف بمختلف أشكاله، دون أن تلقى هذه الظاهرة الاهتمام الكافي والمعالجة الممكنة لدوافعها وأسبابها، ودون أن يتحسس أحد من مسؤولي هذا البلد مدى الخطر الذي يمكن أن يشكله هذا الكم الكبير من النازحين، وغالبيتهم من الكرد، من جراء الاحتقان والحرمان من التعليم والعمل، وبعضهم من الجنسية، ومدى الخسارة الناجمة أيضاً عن كم كبير العدد من المهاجرين الكرد إلى أوربا التي تمنحهم جنسيات بلدانها لتطحنهم الآلة الغربية فيما بعد وتصهرهم بعد سنوات ليست بكثيرة .
وفي النهاية، فإن كل فرد في هذا الوطن يعتبر ذرة من طاقاته، وأن التفريط بهذه الطاقات لا يعبّر عن المصلحة العليا للوطن بشيء، وأن الكرد هم مكوّن أساسي يستحق المعاملة اللائقة به، وأن حرمانه يعني إلحاق الضرر بمصلحة الوطن. وقد آن الأوان لإنهاء معاناته وتمكينه من التمتع بحقوقه القومية والوطنية والإنسانية المشروعة، وإدراج قضيته في إطار القضايا الوطنية التي تتطلب حلولاً عادلة وعاجلة ومنصفة.
…………………………………………………..
· – افتتاحية جريدة الوحدة yekiti العدد206




















