في حين باتت الحكومة اللبنانية على عتبة التصدّي لملفّ شهود الزور في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بالاستناد إلى التقرير الذي سيرفعه وزير العدل ابراهيم نجار والذي يضع فيه خلاصات واضحة تؤكّد اختصاص القضاء اللبناني النظر في ملفّ شهود الزور، بعدما بنى قراءته على رأي هيئة التشريع والاستشارات في مجلس العدل والتي أشارت الى أن الجُرْم وقع على الأراضي اللبنانية ويتعلّق بتحقيق حصل في لبنان.
إضافة الى الجواب الذي ورده من المحكمة الدولية والذي تضمّن إعلان عدم اختصاصها في هذا الشأن، بحسب معلومات مؤكّدة توافرت ل«البيان»، فإن ذلك، معطوفاً على المبدأ القانوني «لا فراغ في الاختصاص»، من شأنه أن يطرح جملة أسئلة بخصوص مصير المحكمة الدولية. «البيان» حاورت عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل» النائب السابق الدكتور مصطفى علوش والقيادي في قوى «14 آذار» متوجهة في الوقت ذاته إلى مقرِّر لجنة الإدارة والعدل النيابية وعضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب المحامي نوّار الساحلي والمحسوب على قوى «8 آذار». فكانت المواجهة التالية:
علّوش: المحكمة الدولية خارج معادلة «س س»
كأنما هو خائف من «منام موحِش»، وفق تعبيره، لا يرى عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل» النائب السابق الدكتور مصطفى علوش أيّ أفق للخروج من المأزق الذي يشهده لبنان حالياً إلا ب«معجزة» يختصر عناوينها ب«الوصول إلى حلّ عادل لعملية السلام أو وصول إيران إلى حلّ لمسألة قضيتها النوويّة ودخول المنطقة بروحيّة جديدة نحو التهدئة»، بحسب تعبيره. ويستطرد في حواره مع «البيان»: «هذا ضرب من ضروب الخيال في الوقت الحالي، وذلك لكون العواصف المتعدّدة في المنطقة تتلاقى على الأرض اللبنانية».
ويضيف: «الأحداث والمواقف تتسارع بشكل كبير في لبنان، والخلاف الحالي اللبناني- اللبناني هو استمرار للخلاف القائم حتى من قبل اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري وعمره عدّة عقود ولا يزال يزداد تفاقماً لكونه خلافاً على موقع لبنان في الصراع العربي- الإسرائيلي وعلى علاقاته مع إيران وعلى السلام في المنطقة».
ويشير علوش إلى أن المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري «قد تكون إحدى الشرارات التي تؤدّي الى صدام مباشر، لكن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء أي صدامات مستقبليّة تكمن في وجود سلاح يمتلكه مذهب واحد، المذهب الشيعي، وهو الذي قد يحدِث فتنة». ومن بوّابة تحذيره: «بالتأكيد، هناك احتمال لحدث عنيف على الساحة اللبنانية، بغضّ النظر عن قضية المحكمة التي خرجت من يدنا وباتت في يد القضاء الدولي»، يختصر موقف تيار «المستقبل» مما يحصل بعبارة واحدة: «لن نبادر الى التصعيد، وموقفنا هو مداراة الأمور الى أقصى الدرجات».
أسلوب جنبلاط
وينوه علوش في حديثه إلى «البيان» أن «قيادات حزب الله تتولّى التصعيد ورسائلها هي للتهديد أكثر مما هي للتهدئة، فيما سلوك رئيس مجلس النواب نبيه بري غير واضح المعالم، وقد يكون مبنيّاً على بعض التقلّبات الحقيقيّة التي تحصل وموقفه إنعكاس لموقف القيادة السورية». أما بخصوص موقف رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط ف«هو قريب من الموقف السوري والموقف السعودي في آن، بمعنى أنه على خطّ التلاقي السوري- السعودي».
ويوضح علوش في هذا الصدد: «الهاجس الأساسي لدى جنبلاط هو كيفيّة تجنّب منطق الفتنة، وأسلوبه لن يؤدّي الى نتيجة ولن يربِح السلام ولن يوصِل الى الإستقرار، فتجربته السابقة مع والده كمال جنبلاط كانت أثبتت أن التغاضي عن الجرائم لا يؤدّي الى الإستقرار، والدليل أن الحرب الأهلية استمرت 13 عاماً بعد اغتيال والده ولائحة الاغتيالات استمرّت».
هكذا يقرأ علّوش سلوك أبرز الأفرقاء في لبنان، وذلك من دون أن ينسى الإشارة الى دور رئيس الجمهورية ميشال سليمان حيال كل ما يحصل بالقول: «لا أعتقد أن لديه النيّة أو أنه يقبل بتأزيم الوضع أو بإحداث فراغ جديد في البلد، ولكن كل وزراء الرئيس لن يتجاوبوا مع رغباته»، على حد وصفه. ويردف: هناك خمس وزراء محسوبين على الرئيس، لكن فعلياً يمكن الحديث عن 4 وزراء ونصف»، في إشارة منه الى ما سيكون عليه موقف وزير الدولة عدنان السيد حسين (حصّة المعارضة من ضمن وزراء رئيس الجمهورية) على طاولة مجلس الوزراء خلال الأيام والأسابيع المقبلة، «فإذا استقال وزراء المعارضة ال10 إضافة الى الوزير السيد حسين، تصبح الحكومة مستقيلة حكماً بغضّ النظر عن رغبة رئيسَي الجمهورية والحكومة».
الحريري لن يستقيل
وإذ ينفي علوش وجود أي نيّة لدى الحريري بالاستقالة، ويضع ما يشاع في هذا الشأن في خانة «حملات التخويف والتهويل»، فإنه يعزو ذلك الى معطييَن إثنين: «أولهما إعلان الحريري ذلك، وثانيهما قناعته بأن الفراغ يؤدّي الى حالة الاستقرار والى خراب أمور المواطنين وبأن الإدارة مع الصعوبات أفضل من عدم وجود إدارة».
ويضيف في هذا السياق: «بالتأكيد، أيّ مبادرة في هذا الاتجاه لن تكون من قبل الرئيس الحريري وربما تعمل قوى 8 آذار على إسقاط الحكومة إذا تعاون معها رئيس الجمهورية»، معرباً عن اعتقاده بأن وزيرَي «اللقاء الديمقراطي» وائل أبو فاعور وأكرم شهيّب «لن يكونا خارج إطار ما قد يقوم به رئيس الجمهورية».
وردّاً على سؤال بشأن المخرج الممكن توفيره لمأزق القرار الظني والمحكمة الدولية، أجاب علّوش: «المخرج يكون بتسليم المتّهمين الى القضاء الدولي بغضّ النظر عن انتماءاتهم وهو القضاء الذي لديه إمكانيات أوسع بكثير مما قد يتوفّر للقضاء اللبناني»، مضيفاً: «برأيي، التغاضي عن العدالة لضمان الاستقرار هو أكبر كذبة في التاريخ وكل محاولات فرملة أو عرقلة مسار المحكمة الدولية هي مضيعة للوقت». لكن، أي خيار أمام الحريري بعد أن أشهرت دمشق معركتها ضد المحكمة الدولية؟.. يكتفي علّوش بالإجابة: «ملفّ المصالحات العربية الذي قادته السعودية لم يدخل في موضوع المحكمة وبالتالي بقيت هذه المحكمة خارج إطار التفاهمات».
الساحلي: استقالة وزراء المعارضة ليست واردة
بالتوازي مع بدء العدّ العكسي لصدور القرار الظنّي عن المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الأسبق للحكومة رفيق الحريري، والذي يُقال في الكواليس السياسية إنه ينتظر «التوقيت الملائم» والموقف الذي سيتوِّج به الأمين العام ل«حزب الله» حسن نصر الله كل الكلام خلال أيام أو ربما أسابيع، فإن لدى مقرِّر لجنة الإدارة والعدل النيابية وعضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب المحامي نوّار الساحلي الكثير ليقوله وتحديداً في موضوع شهود الزور.
ويصف الساحلي في حديثه إلى «البيان» ملف شهود الزور بأنه يشكل «قضية وطنية بامتياز لا يمكن السكوت عنها ومدخلاً لمعرفة حقيقة من اغتال الحريري إنطلاقاً من قناعة حزب الله باستحالة تفكيك مجرى العدالة وبأن أيّ محاولة لفصل هذا الملف عن مجريات التحقيق محاولة مكشوفة لتوجيه اتهامات مبنيّة على غايات وأهداف ومصالح سياسية».
وإذ ينأى الساحلي بنفسه عن الدخول في التفاصيل المرتبطة بالمحكمة الدولية التي قال إن الحزب «ليس معنيّاً بها ولا بتحقيقها المسيّس الذي يصبّ في مصلحة العدو الإسرائيلي»، فإنه يشدّد على «ضرورة أن يشرع القضاء اللبناني بالتحقيق مع شهود الزور ليتبيّن للرأي العام اللبناني والعربي والدولي حقيقة هؤلاء ومن يقف وراءهم ومحرّضيهم، وعندئذ نؤكّد أن كل ما حصل كان برمّته مسيّساً».
ويشير الساحلي إلى أن القرار الاتهامي المزمع صدوره «سياسي بامتياز طبِخ في المطبخ الأميركي- الصهيوني، وهو إحدى وسائل الحرب على لبنان والمقاومة، لأن الاتهام باطل وزائف ولا أساس له من الصحّة». ويضيف: «نحن قدّمنا للقضاء اللبناني قرائن وهي بالنسبة إلينا كافية لتوجيه أصابع الاتهام علناً باتجاه إسرائيل. لكن، وللأسف، هناك البعض في الداخل مصرّ على عدم اتهام إسرائيل علما أنه في العالم الجنائي، وعندما تحصل أيّ جريمة، فإن أول سؤال يُطرح عندما لا يكون الجرم مشهوداً: من هو المستفيد؟.. أليست إسرائيل هي المستفيدة؟».
ملف شهود الزور
وردّاً على سؤال متعلّق بفرضيّة مفادها أنه في حال أخذت الحكومة اللبنانية بخلاصة اختصاص القضاء اللبناني النظر في ملفّ شهود الزور استنادا إلى البند المتعلّق ب«الإجراءات» الذي يتضمّنه النظام الداخلي للمحكمة الدولية والذي ينصّ على أن كل ما حصل قبل بدء عمل المحكمة لا يعنيها، يكتفي الساحلي بالإجابة: «واجب القضاء أن يتحرّك في لبنان للوصول الى نتائج ومحاكمات تتعلّق بالشهود وبالشخصيات التي جنّدتهم ووجّهتهم».
ويستطرد: «إذا أراد مدّعي عام المحكمة الدولية القاضي دانيال بيلمار أو غيره الأخذ بهذا التحرّك فهذا شأنه. نحن غير معنيّين بما يحصل في الخارج ولا بكلام بعض من يريد الدخول في التفاصيل القانونيّة المتعلّقة بالتوصيف الجرمي لشهود الزور». وينوه بالأسباب قائلاً إن ذلك «لكون ما قام به الشهود الكَذَبة يُعاقَب عليه بقانون العقوبات اللبناني، إن لناحية الافتراء وتضليل القضاء أو إذا اعتبرنا كلامهم أمام المحقّق العدلي اللبناني أو المحقّقين الدوليّين كشهود وبالتالي، هم شهود زور ومجرمون بكل ما للكلمة من معنى».
استقالة وزراء المعارضة
ورداً على كل ما يُشاع ويُذاع في شأن إمكان الوصول الى إسقاط الحكومة الحالية، يقول: «نحن مصرّون على بقاء هذه الحكومة التي نحن جزء منها، حكومة الوحدة الوطنية، ولسنا في وارد اعتبار وضعها على المحكّ»، مؤكّداً أن الأمور «ليست في صدد الموقف السلبي لجهة إنسحاب وزراء المعارضة من الحكومة واتخاذ مواقف سلبية من المشاركة في حكومة الوفاق الوطني والوحدة الوطنية القائمة، فاستقالتهم ليست واردة الآن». ويردف: «ولكن ومع حرصنا التامّ على السلم الأهلي والوحدتَين الإسلامية والوطنية، عندما تكون الفتنة على الأبواب يجب الدفاع عن النفس بكل الوسائل المتاحة وخصوصاً أن رأس المقاومة هو المستهدَف بالدرجة الأولى».
قوّة دفع ذاتيّة
ويشدد الساحلي في حديثه إلى «البيان» على أن «بند تمويل المحكمة للعام 2011 لن يمرّ في الحكومة، وبالتالي لن يصل الى مجلس النواب». ويتنبأ بدخول لبنان «في أسابيع وشهور خطيرة، فإما أن يعي كل الأفرقاء خطورة ما ينتظرهم من مشروع فتنة، وإما أن نسعى جميعنا لمعرفة الحقيقة بدءاً من من ضلّل لبنان واللبنانيين والأخذ بفرضيّة العدو كمتّهم أساسي وأن نجمِع بكل أطيافنا على ضرورة درء الفتنة التي لا تصبّ إلا في مصلحة الأعداء». ويشير إلى أن ذلك والتي «لن يحتاج الى قرار سياسي أو تنظيمي بل بات يمتلك قوّة دفع ذاتية قادرة على تحريك الشارع تلقائيّاً»، خاتماً كلامه بالقول: «الوقت ما زال متاحاً لإبعاد شبح الفتنة».
بيروت- وفاء عواد
"البيان"




















