اجتاز نوري المالكي نصف الطريق نحو ولاية جديدة. لكن النصف الآخر ليس معبّدا بالورود بعد.
قيام "التحالف الوطني" الذي جمع ائتلاف "دولة القانون" و"الائتلاف الوطني" أغلق نصف الباب في وجه أياد علاوي بعدما خبأ هذا التحالف تناقضات الكيانات الشيعية تحت غطاء واحد. إلا ان مقاطعة "المجلس الاسلامي الاعلى" وحزب الفضيلة جلسة اختيار المالكي اظهرت ان المعركة الشيعية – الشيعية لم تحسم بعد على رغم الضغوط التي مارستها وتمارسها ايران على اطراف التحالف، وعلى رغم التوافق الضمني الثلاثي الايراني – الاميركي – السوري على التجديد للمالكي رئيسا للوزراء.
فعلى رغم بوادر الانشقاق التي تهدد "المجلس الاعلى"، لا يزال عمار الحكيم بثقله المعنوي والطائفي والمناطقي قادرا على منح علاوي وقائمته "العراقية" الغطاء الشيعي اللازم لمواصلة معركته على المنصب الرفيع في بغداد. ومثل هذا التحالف لا يزال ممكنا بفعل الضرورة ونكاية بالمالكي خصم الاثنين معا.
تحالف ائتلاف "دولة القانون" مع "التحالف الوطني" ناقصا حزب الحكيم وحزب الفضيلة لا يخول المالكي اعلان حكومته لانها لم تحصل في البرلمان على النصف زائد واحدا. كذلك تحالف "العراقية" مع "المجلس الاعلى" وبقايا "التحالف الوطني" لن يقدم الكرسي الثاني الى علاوي للسبب نفسه. الامر اذا متروك للكتلة الكردستانية، فهي بيضة القبان. اين تميل هذه الكتلة يميل معها المشهد العراقي الكامل. فاذا مالت دفة الكرد نحو علاوي بلغت مراكبه الميناء المنشود، واذا مالت في الاتجاه الآخر وصلت مراكب الآخر.
بعد الامتحان الشيعي الذي اجتازه المالكي بحنكة ودهاء ومساندة خارجية اساسية، هناك الامتحان الكردي، و هو الامتحان الثاني الصعب للمالكي. فالمسألة تتعدى الاهواء والميول الشخصية الى المطالب الصعبة التي أدرجها "التحالف الكردستاني" في ورقته السياسية والتي تعطي الاقلية الكردية حق النقض في كل المسائل الاساسية وتجعلها مفتاح السياسة في بغداد. وهي مطالب يتحد في رفضها شيعة العراق وعربه السنّة وتركمانه وغيرهم. فكيف سيقنع المالكي الاكراد بتخفيف مطالبهم وبأي ثمن؟ وفي المقابل هل يرى فيه الاكراد الشخصية الملائمة لتسلم زمام الامور في بغداد؟
ثالث الامتحانات وأصعبها، امتحان إعادة السنّة العرب الى الدولة وضمان انغماسهم في العملية السياسية حتى تبقى الدولة ويبقى العراق. فقيام الدولة العراقية الجديدة لن تستقيم بوجود موالاة ومعارضة تبعا للديموقراطية التوافقية المنسوخة من النموذج اللبناني، فالمعارضة تعني هنا الخروج من الوطن وليس الخروج من السلطة. والتوافق العراقي المبني ايضا على الطريقة اللبنانية، لا يستقيم الا بجمع كل المكونات الرئيسية في حكومة واحدة وتبعا لنظام المحاصصة الطائفية المنسوخ ايضا عن النموذج اللبناني. فهل يستقيم العراق الجديد ومكون اساسي ونصف مكون اخر من مكوناته خارج السلطة؟ وهل تسود دولة القانون فيما الكتلة الاكبر في البرلمان خارج الحكومة؟ وهل يرضى مكون اساسي من مكونات العراق، وهو المكون العربي السني، بأقل من حصة مكون الكردي الذي لا يزيده عددا ولا تمسكا بعراقيته ووطنيته ؟ وهل يقبل بأقل من حصة في الحكومة تضمن له حق المشاركة في القرار عبر الثلث المعطل؟ واذا كان للعرب السنة هذا الثلث الضامن ومثلهم للاكراد ثلث ضامن آخر فهل تكتفي الاكثرية الشيعية بالثلث الثالث فقط؟
قفز المالكي قفزة كبيرة الى الامام، لكن الوصول الى خط النهاية لا تزال دونه عقبات أساسية. فهل ينجح في اقناع الاكراد مثلما نجح في اقناع التيار الصدري بشطب "التاريخ الاسود" بينهما وضمهم الى صفوفه؟ وهل يبرع في شق صفوف "العراقية" مثلما شق صفوف الائتلاف الشيعي ويقنع العرب السنة بأنهم شركاء فعليون في السلطة والقرار وبأنه الضمان الحقيقي لوحدة العراق والسد المنيع في وجه من يحاول محو عروبته؟
لقد مضت ستة شهور قبل اجتياز نصف الطريق الى الحكومة. لكن لا الوضع العراقي ولا الوضع الاقليمي في استطاعته انتظار ستة شهور جديدة حتى تصل الامور الى خواتمها السعيدة او المرة. فالعراق اليوم بات مؤشر الهدوء في المنطقة وفي قلبها لبنان، فاذا ما استقامت فيه الامور استقامت في المحيط، واذا ما اشتعلت طال لهبها الجميع.
"النهار"




















