زيارة احمدي نجاد المقررة الى لبنان الأسبوع المقبل تعني بالنسبة الى كثيرين محاولة لتطويع هذا البلد رسمياً وضمه الى معسكر «الممانعة» الذي تقوده ايران وسورية بعد مقاومة استمرت خمس سنوات منذ اغتيال رفيق الحريري، وتعني بالنسبة الى آخرين نهاية طبيعية لمسار التحولات السياسية والعسكرية والديموغرافية التي طرأت على بلد الأرز منذ الدخول السوري الاول في 1976. لكن في كلا الحالين هناك نتيجة واقعية تعلن تمدد ايران الى حدود اسرائيل والبحر المتوسط ما يجعلها طرفاً رئيساً في معادلات المنطقة، بمشكلاتها وحلولها.
لكن التوسع الإيراني الحاصل في اكثر من اتجاه، يذكرنا بدور لعبه الاتحاد السوفياتي الذي سبق طهران الى الساحل السوري، والى تسليح الفلسطينيين، وعبرهم بعض اللبنانيين، واقام، في سياق مواجهته مع الولايات المتحدة والغرب، معاهدات صداقة وتعاون مع دول بينها سورية ومصر واليمن الجنوبي السابق، سمحت له بالتدخل في القرارات المتعلقة بالمنطقة وتشجيع هذا التوجه او معاداة ذاك، قبل ان يتفكك ويزول نتيجة دخوله في منافسات تفوق قدراته الذاتية وتتخطى التزاماته بالمحافظة على انظمة ودول تدور في فلكه، لم ترث روسيا الحديثة منها سوى صداقات رمزية لا تعني الكثير في السياسة التي تنتهجها حالياً.
وعلى غرار السوفيات السابقين، تجاهر ايران بعدائها للغرب، الاميركي خصوصاً، وتؤكد تكراراً على لسان قادتها ضرورة اخراج المصالح الغربية من المنطقة الممتدة من افغانستان الى اللاذقية مروراً ببغداد، وانها الوحيدة القادرة على ملء الفراغ، سياسياً وعسكرياً واقتصاديا، بالتعاون المرحلي مع تركيا.
ومثلهم ايضاً تتبنى طهران وتأخذ على عاتق اقتصادها المترنح تقديم مساعدات مالية وتسليحية كبيرة لحلفائها المباشرين (سورية و «حزب الله» و «حماس» والحوثيين وفصائل عراقية وافغانية) وتخصص استثمارات ضخمة لسباق تسلح تقليدي بهدف تأكيد تفوقها العسكري على دول المنطقة، واخرى لبناء قدرات نووية لا تنفع الفتاوى وتصريحات النفي في اخفاء طابعها النهائي.
افلست موسكو السوفياتية ولم تعد تملك ما يكفي لتسديد رواتب موظفي الامبراطورية الواسعة، عندما لم تعد تنتج بمقدار ما تنفق، وبعدما ورطت نفسها في برامج تسليح لمقارعة «حرب النجوم» الاميركية تتطلب موازنات هائلة، في الوقت الذي انخفضت فيه عائداتها من العملات الصعبة وزادت اعباء التزاماتها تجاه دول مثل المانيا الشرقية وكوبا وسائر اعضاء «حزام الأمان» الاوروبي الشرقي.
ومع ان ثروة ايران من النفط والغاز توفر لها حتى الآن فائضاً من العملات الصعبة، الا انه لا يمكن مقارنتها بالإمكانات الهائلة، بما في ذلك النفط والغاز ايضاً، التي كان يختزنها الاتحاد السوفياتي ولم تنفع في إنقاذه، خصوصاً ان آثار العقوبات الدولية المتصاعدة بدأت تظهر تدريجاً على الاقتصاد الايراني، يضاف اليها فشل السياسات الإنمائية الداخلية، وازدياد الإنفاق على التسلح والجماعات الموالية.
كل ذلك يجعل «الامبراطورية الاسلامية الفارسية» في وضع مشابه للذي عاشه المعسكر الشيوعي عشية انهياره، ذلك انها تحيط نفسها بعداوات كثيرة، وتتمدد بما يفوق قدراتها الفعلية، بحيث لن تتأخر مناطق النفوذ المستجدة في التحول الى اعباء قاتلة، وبينها بالطبع لبنان والعراق.
"الحياة"




















