لم تكن إسرائيل بحاجة الى التذرع بالزيارة التي ينوي الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد القيام بها الى لبنان، كي تصّعد لهجتها ضده، وتوجه التهديدات له. فالحرب النفسية والاستخبارية التي تخوضها ضد "حزب الله"، وضد الحكومة والشعب اللبنانيين لم تهدأ منذ توقف المعارك في صيف 2006. ولكن المختلف في رسائل التهديد والوعيد الإسرائيلية الأخيرة، أنها أقرب الى أن تكون تدخلاً إسرائيلياً سافراً في الحياة السياسية الداخلية اللبنانية المأزومة. الأمر الذي يدفع الى التساؤل هل نحن أمام عهد إسرائيلي جديد من التدخل المباشر في الحياة السياسية في لبنان؟
لقد باءت محاولات التدخل الإسرائيلية في الصراعات المسلحة التي شهدها لبنان في السبعينات والثمانينات بالفشل الذريع، واضطر الإسرائيليون الى الاعتراف بعجزهم وفشل دورهم في تغيير معالم الحياة السياسية في هذا البلد، لكن ذلك لم يوقفهم يوماً عن متابعتها عن كثب، ومراقبة ما يطرأ عليها من تطورات ودراسة انعكاسات ذلك على إسرائيل.
في رأي إسرائيل هناك خطران يتهددانها من لبنان: خطر سلاح "حزب الله"، وخطر تحول لبنان أكثر فأكثر نموذجاً "للدولة الفاشلة" (بحسب الدراسة التي كتبها يوآل جونزسكي وأمير كوليك في معهد دراسات الأمن القومي)، أي دولة غير قادرة على حل نزاعاتها من دون مساعدة وتدخل دول أخرى ذات مصالح وأهداف وغايات قد تشكل "خطراً استراتيجياً" على دولة إسرائيل.
من هنا تعتبر إسرائيل أن تصاعد النفوذ الإيراني في لبنان، العسكري والسياسي، يشكل تهديداً "استراتيجياً" مباشراً لها، لا سيما في ظل الخطورة البالغة التي توليها لمسألة امتلاك إيران للسلاح النووي، واعتبار ذلك يشكل تهديداً وجودياً لها. من هنا يمكن تفسير اللهجة التصعيدية الأخيرة لها تجاه زيارة أحمدي نجاد الى لبنان.
تعكف إسرائيل على ايجاد ما تعتبره الحل الناجع لمواجهة خطر سلاح "حزب الله"، إما بالوسائل العسكرية، أو بالوسائل السياسية. وقد قامت القيادة العسكرية للجيش الإسرائيلي باستخلاص دروس حرب 2006، ووضعت الخطط العسكرية التي تعتبرها كفيلة بضرب قوة الحزب العسكرية واضعافه، مما قد يؤدي الى تغيير المعادلة السياسية الداخلية في لبنان. أما على صعيد الحلول السياسية فقد جربت إسرائيل حتى الآن استخدام الضغوط الدولية، وقرارات الأمم المتحدة، والضغط على الدولة اللبنانية، ولكن ذلك لم يثمر في رأيها عن أي نتيجة ملموسة تضع حداً لقوته العسكرية.
مع بدء المساعي الأميركية لتحريك مسار المفاوضات مع سوريا، وظهور تيار داخل قيادة الجيش الإسرائيلي مؤيد لها، برز مجدداً اقتناع اسرائيلي بإمكانية أن يؤدي التوصل الى إتفاق سلام مع سوريا الى احتواء مشكلة سلاح"حزب الله"، أو على الأقل الى وقف دعم سوريا لتزويد الحزب بالسلاح، هذا الى جانب اقتناعهم بأن التسوية السلمية ستؤدي حتماً الى ابعاد سوريا عن إيران، واضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة.
حتى الان لم ينجح هذا الفريق في اقناع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بأن مصلحة إسرائيل تقضي بالعودة الى المفاوضات مع سوريا. والسبب كما يقول المقربون منه أنه لا يثق بأن مثل هذه المفاوضات قد تدفع سوريا الى وقف دعمها لـ"حزب الله" أو ستجعلها تبتعد عن إيران. ولكن نتنياهو لا يستطيع من ناحية أخرى تجاهل المساعي الأميركية المبذولة لتحريك المسار السوري، والاستمرار في التمسك بسياسة الصمت. وعليه عاجلاً أم آجلاً عليه ان يبدي رأيه الواضح من الموضوع.
من المنتظر أن تواصل إسرائيل حملتها على زيارة أحمدي نجاد الى لبنان، سعياً الى توتير الوضع على حدودها الشمالية. ولكن الراجح هو أن يبقى هذا في حدود التوتير اللفظي مع أنها تسعى جاهدة لايجاد طريقة ليس فقط لإبعاد نجاد عن بوابة فاطمة، وإنما لوضع حد للنفوذ الإيراني السياسي المتنامي في لبنان.
"النهار"




















