أجرى الحوار : حميد كشكولي
من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 8 – سيكون مع الأستاذ د. برهان غليون حول : أزمة المجتمعات العربية والموقف من الحداثة والديمقراطية والاسلام.
1- باعتباركم باحثا عن الحلول و المعالجات الجادة للعلل السياسية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات العربية، ما هي برأيكم أبرز تلك العلل، وما هي الأخطار الناجمة عنها في مجتمعاتنا؟
لا أحبذ استخدام مفردات مثل العلل، لأنها توحي كما لو أن المجتمعات العربية ذات عاهات موروثة ودائمة، وأننا نضع أنفسنا في موضع الطبيب الذي يسعى إلى معالجة هذه العلل. والحال أن ما تعيشه المجتمعات العربية اليوم لا ينبع من علل قائمة فيها، لا في ثقافتها ولا أديانها ولا سلامة عقول أفرادها، وإنما نتيجة ظروف طرأت عليها، بعضها داخلي وبعضها خارجي، ينبغي تحليلها وفهم شروط تغييرها.
وفي اعتقادي أن كل ما تعرفه المجتمعات العربية اليوم من ظواهر سلبية، في أنماط حكمها السياسي، وفي تخبط سياساتها الاقتصادية، وفي نكستها الفكرية والثقافية، يعود إلى أمر واحد هو الازمة العميقة التي دخلت فيها بسبب إخفاق أو على الأقل توقف مسيرة التحول والتقدم التي انخرطت فيها منذ أكثر من قرن، والتي كان من المفروض أن تنقلها من أنماط الفكر والسلوك والإدارة والحكم القديمة أو التقليدية نحو أنماط حديثة، وتحل بذلك مشكلتها الرئيسية التي هي تحقيق المعاصرة، واستدراك التأخر التاريخي الذي لحق بها نتيجة تلكؤ نخبها القائدة أو جمودها في القرنين الماضيين.
وبعكس ما تشيعه الأدبيات الرائجة كانت المجتمعات العربية طليعية في دخول مغامرة الحداثة لأنه لا يوجد في ثقافتها الزمنية والدينية ما يعيق النظر العقلي والتجديد الفكري والديني: لا سلطة بابوية ولا تقاليد إقطاعية متجذرة. وقد سبق محمد علي اليابان في شق طريق التحديث، وبقيت مصر أكثر تقدما من الناحية الصناعية والعلمية والتقنية من معظم بلدان أوروبة حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وبالرغم من الضغوط والتهديدات الاستعمارية، استمر الضغط ، حتى عقود قليلة سابقة، شديدا داخل المجتمعات العربية، من جانب الشعب ومن جانب النخب الثقافية والقوى الاجتماعية الصاعدة، والأحزاب الليبرالية والقومية واليسارية الناشئة معا، من أجل اللحقاق بالعصر. ولم تستطع الهيئات الدينية المحافظة أن تؤثر على هذا التحرك نحو المستقبل أو أن تشكل عقبة تذكر أمامه. بل لقد تمت محاصرة رجال الدين المحافظين من قبل رجال دين تقدميين وإصلاحيين ساروا في اتجاه التحويل الحديث لمجتمعاتهم ونظروا له ودعموه، كما فعلت الحركة الاصلاحية الاسلامية. ولم يضعف سقوط الأقطار العربية تحت الاحتلال من زخم تيار الحداثة والتحديث. ففي ظله نشأت الحركات الوطنية حول مفاهيم وقيم ومطالب حديثة في بناء الدولة والامة والسياسة، وولدت الأحزاب الليبرالية والاشتراكية والماركسية والقومية على مختلف أشكالها. وما إن تحقق الاستقلال حتى انطلقت مسيرة التحديث والتقدم بأقوى صورها، متلفحة رداء القومية العربية التي حددت أهدافها بوضوح في استكمال الاستقلال وتوحيد البلدان العربية ومواجهة النفوذ الامبريالي، وبناء أمة حديثة من خلال تصفية بقايا الاقطاع وتوزيع الأرض على الفلاحين، وإحداث ثورة صناعية وتقنية وعلمية شاملة.
من هنا كانت الصدمة قوية عندما ظهر إخفاق هذا المشروع، أعني مشروع الدخول في العصر والخروج من التأخر، وتحقيق السيادة الكاملة وتطوير البنى الاقتصادية والعلمية للعالم العربي. وانقلب الحلم إلى كابوس بعد أن أطلق هذا الانهيار جميع القوى الناقمة التي كانت رابضة تنتظر فرصتها، لتستعيد نفوذها وتنهش من لحم المجتمعات العربية وتستملك مواردها المادية والمعنوية: من اسرائيل التي عادت فأطلقت مشاريع التوسع الاستيطاني في ما تبقى من فلسطين، إلى البلدان الصناعية الغربية التي أعادت وضع يدها على الثروة النفطية التي خافت في فترة سابقة أن تخرج عن سيطرتها تحت شعار نفط العرب للعرب الذي أطلقته الحركة القومية، إلى ملوك الطوائف والعشائر الذين لم يحلموا يوما بأن يكونوا في موقع القيادة العربية فصاروا أسيادها، إلى الزعماء الصغار الذين كبتوا طويلا عقد نقصهم الشخصية وانتظروا موت عبد الناصر ليعبروا عن طموحاتهم العنيفة لبناء ممالك شخصية ما لبثت حتى تحولت إلى ممالك وراثية، إلى الكبمرادوريين وأشباه الاقطاعيين الذين عادوا بعد إقصاء أليم في ثياب مقاولين ورجال أعمال ومديرين ومنتفعين ومرتشين دوليين ليحتلوا مقدمة المسرح، إلى رجال دين أو متدينين غلب عليهم حب الانتقام وتصفية الحسابات ليس مع النظام القوي الهالك فحسب ولكن مع القومية العربية وشعاراتها، بل مع العروبة ذاتها.
وكما يقول مثلنا العربي عندما تسقط البقرة تكثر سكاكينها. وهذا ما حصل ولا يزال بالضبط. وجميع هذه السكاكين تريد حصة لها من البقرة الخائرة. وجمعيها تريد أن تبني لنفسها مجدا على أنقاض مشروع الحداثة والنهضة ومن مخلفاته.
تعيش المجتمعات العربية إذن أزمة تاريخية عميقة بسبب انهيار مشروع الحداثة والتقدم الذي استثمرت فيه وحلمت به لعقود طويلة، بدافع الخوف من السيطرة الاستعمارية القريبة أولا، وبحافز إحياء الذاكرة ووحي الامبرطورية العربية السالفة ثانيا. ولا يستطيع أحد أن يدعي ان هذا الإخفاق وما تبعه من رفع السكاكين على المجتمعات الخائرة يرجع إلى جهل الشعوب العربية وتخلف ثقافتها وانحطاط دينها، ولا إلى مقاومتها العنيدة لقيم الحداثة أو لبرنامج التحديث الوطني والقومي، من بناء المصانع والمدارس والجامعات وتصفية الإقطاع وتوزيع الأرض وتقليل الفوارق بين الطبقات وإدخال الريف في الحياة السياسية الوطنية، ولا إلى رفض هذه الشعوب سياسات الاستقلال والعداء للامبريالية ومحاصرة نفوذ الاستعمار السابق التي طورتها الحركة القومية، ومن ضمنه الاستعمار الإسرائيلي، ولا إلى التوسع في الخدمات الاجتماعية وإصدار قوانين حماية العمال والفلاحين واتباع سياسات تفضيلية تجاههم. كما لا يمكن إرجاعه إلى وجود المد الاسلاموي أو قوة الحركات الاسلامية التي لم تكن قد برزت بعد وبقيت تيارا أقليا إلى زمن ليس قريب.
لم تأت مقاومة مشروع الحداثة والنهضة من قبل الشعوب والمجتمعات أو أغلبيتها، وإنما جاءت كما لا يخفى على عاقل من قبل ثلاث قوى رئيسية: الامبريالية الغربية أولا وفي مقدمها إسرائيل، والنظم العربية التقليدية شبه الإقطاعية ثانيا، والقوى الاجتماعية العربية التي تضررت بالفعل من إجراءات الاصلاح التحديثي التي اتخذتها الحكومات الوطنية: إزاحة النخب الارستقراطية أو شبه الارستقراطية والاقطاعية السائدة واحلال نخبة جديدة، من أصول ريفية غالبا، وسطى وشعبية، محلها، وتشجيع ثقافة المواطنية الحديثة، في مواجهة ثقافة المراتبية والهرمية والتمييز ضد الطبقات الدنيا، التي وسمت كل النظم التقليدية، نزع ملكية الأرض الاقطاعية وإعادة توزيعها، تأميم المصارف والشركات الخاصة.
هذه هي القوى الثلاث التي ورثت العالم العربي بأكمله بعد سقوط ثورته التحديثية. وهي التي قادته وأدارت شؤؤنه منذ السبعينيات من القرن الماضي ولا تزال. وخياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتقنية هي المسؤولة الرئيسية عما يعيشه العالم العربي اليوم. وما يعيشه هو ثمرة النظام الجديد، الاجتماعي والسياسي والإقليمي، الذي أقامته هذه القوى والذي وضع لخدمة مصالحها وتعزيز مواقعها في الداخل والخارج الدولي معا. وهذا ما يفعله بالضبط. فإسرائيل كسبت أراضي جديدة واسعة للاستيطان لم تكن تحلم بها، والنظم التقليدية شبه الإقطاعية لم تحافظ على بقائها فحسب وإنما انتقلت من صف النظم المهددة بالسقوط إلى موقع قيادة العالم العربي وترتيب شؤون الإقليم بالتحالف المعهود مع الغرب، والقادة الصغار الذين اضطروا إلى البقاء في الظل بوجود "الزعيم" الأكبر عبد الناصر، استعادوا ثقتهم بأنفسهم واقتطعوا لأنفسهم ممالك دائمة لا ينافسهم عليها طير ولا إنسان، وإعادوا إحياء نظم الملكية الاقطاعية بطريق التوريث، والطبقات الكمبرادورية وشبه الأقطاعية التي عزلتها الحركة القومية هي اليوم صاحبة نظام "البيزنس" الكمبرادوري الذي حل محل الاقتصاد الحقيقي وبديل مشاريع وخطط التنمية الاقتصادية السابقة، وفرغت الساحة الثقافية او كادت، بدعم ملوك العشائر والطوائف، القدماء والجدد، ومباركتهم وتمويلهم وإعلامهم، لرجال الدين والمشعوذين الروحيين، الذين جعلوا من التدين سبيلا للهرب من أي مسؤولية جماعية أو التزام سياسي، وحولوه إلى وسيلة لتصفية كل ما ارتبط بالمشروع القومي التحديثي القديم من شعارات وقيم وأفكار.
ولم تقف هذه القوى ضد مشروع الحداثة العربية لأنها ضد الحداثة نفسها. فهي قوى حديثة أيضا ومستعدة لتمثل أقصى درجات الحداثة الاستهلاكية، لكنها كانت ضد مشروع حداثة تكاملية ومتكاملة، مستقلة ومتمحورة حول الذات تحول العرب إلى قطب من أقطاب الانتاج والابداع والازدهار الحضاري، لا يمكن تحقيقه من دون الدمج المضطرد لجميع أفراد الشعب وتأهيلمهم وترقية شروط معيشتهم، ومن أجل مشروع حداثة كمبرادورية، رثة، تضمن ازدهار طبقة من الوسطاء الاقتصاديين والسياسيين والاجتماعيين والثقافيين، وتراكم ثروتهم وسلطتهم بما يمكنهم من السيطرة المستمرة والاحتكارية، على حساب بناء اقتصاد تمركزي وسوق محلية قوية وخطط استثمارية نشطة تضمن خلق فرص عمل دائمة لابناء الشعب والارتقاء بمسستوى تأهيله وتكوينه ومعيشته وصحته وثقافته. الصراع ليس إذن على الحداثة وإنما داخلها بين حداثة تحتكر فيها قلة اجتماعية الثروة الوطنية لتضمن اندماجها في العصر لوحدها وعلى مستوى عال من الاستهلاك والازدهار، وحداثة وطنية يوجه التراكم الرأسمالي فيها لصالح القسم الاكبر من السكان ويقود إلى تحرر المجتمع وانعتاقه من امراض النظام القديم ومخلفاته.
وما نعيشه اليوم هو من منتجات هذه الحداثة الكمبرادورية التي ذكرت وعواقبها على الأغلبية الساحقة من السكان وعلى أمن المجتمع ككل ومصير الشعوب والبلدان. وهذه هي سياسات الحداثة التي قادت وتقود إلى ما نحن عليه. وهو ما يتجلي بوضوح عندما نطرح السؤال البسيط: بماذا تتجسد الأزمة اليوم؟
إنها تتجسد أولا في غياب أي مشروع جامع، وطني او إقليمي، شعبي أو حتى نخبوي. نحن نعيش في نظام تسوده المصالح والحسابات الفردية أو العائلية ولا يخضع لأي رؤية او حساب جماعي، وتحكمه اللحظة الراهنة، من دون أن يكون هناك أي أفق أو نظر في المستقبل، ويخضع لقانون القوة والعنف والقسر، ولا يقوم على أي مبدأ او مفهوم للحق، سواء أكان مبدأ المساواة بين الأفراد، كما هو الحال في النظم الحديثة، أو قاعدة التراتب الطبقي والمللي، كما كان الحال في النظام السابق.
وثانيا في غياب أي تنمية جدية، حتى أصبحت البلدان العربية الغنية بالموارد مضرب المثل في سوء الأداء الاقتصادي وتراجع مستوى حياة السكان ودخلهم وتدني نوعية الخدمات المقدمة لهم، وكذلك في نسبة اليد العاملة المهاجرة أو الباحثة عن مهجر.
وثالثا في النمو السرطاني لاقتصاد رأسمالية الأعمال والمضاربة المفتوحة، حتى أصبح الاقتصاد اقتصاد مافيات تتقاسم فيه المنافع والمغانم أعداد محدودة من الأسر والعائلات القريبة من الحكم أو العاملة على أطرافه، وتبني نظاما اقتصاديا همه تعظيم هذه المنافع والغنائم والامتيازات الناجمة عن احتكار السلطة والمنصب الرسمي وعمليات المضاربة والنهب المكشوف والسلبطة والرشوة والمحسوبية، ولا ينظر أبدا لا لمشاكل التنمية المتكاملة ولا إلى مصير ملايين البشر الذين ينتظرون فرص عمل حتى يضمنوا معيشتهم ويحققوا ولو جزءا يسيرا من انسانيتهم أو شعورهم بكرامتهم. هكذا يبدو الأفق الاقتصادي مغلقا تماما أمام أجيال الشباب، ولا أمل لأحد منهم بالخروج من قبضة الفقر والبؤس والبطالة إلا بالهجرة أو بقبول التسول على أعتاب مافيات السلطة والأمن والمال وخدمتهم.
ورابعا في ضياع الهوية، وطنية كانت أم قومية أم دينية أم اجتماعية، مع غياب أي مباديء أخلاقية، وأي مشروع مشترك، وأي روح تضامن وتكافل بين الأفراد، او الانخراط في تجربة روحية أو سياسية أو اجتماعية تشجع على التعاون والتواصل والتفاهم بينهم، وتطمئنهم على الحاضر والمستقبل.
والنتيجة شعور مدمر بالفراغ والخوف وغياب الأمن وعدم الاستقرار يهز المجتمعات ويعمق الشعور بالإخفاق والخيبة والاحباط، ويدفع أغلبية أفرادها إلى الشك في أنفسهم ومقدراتهم بل وشرعية وجودهم وجدواه. وكل هذا من منتجات هذه الحداثة الكمبرادورية والنظام العربي الجديد ومتطلبات بقائه وتقويته واستمراره أيضا.
واضح من هذا التحليل إذن، أن العلل، إذا كانت هناك علل، لا تكمن لا في الغرب كغرب ولا في الاسلام أو العروبة، إنما في نظام اجتماعي قائم على توازنات داخلية وطنية وإقليمية يشارك في وضعها واستمرارها الغرب الاستعماري، أو ما بقي من سياساته الاستعمارية والامبريالية، والنظم الاستبدادية والديكتاتورية الأمنية المحتكرة لجميع السلطات والمعادية لجميع الحقوق والحريات، أي التي تجرد الفرد من إنسانيته كي تضمن السيطرة عليه، وترفض القيام بأي إصلاحات سياسية أو اجتماعية، بل ترفض استخدام كلمة اصلاح نفسها وتفضل عليها كلمة التطوير والتحديث كما جاء ذلك في نص وثيقة الجامعة العربية، وأخيرا، قوى الرأسمالية الجديدة الكمبرادورية الصاعدة والمنفلتة من أي التزام او قيد، والتي تأمل بأن تبقى خارج أي مراقبة قانونية او محاسبة سياسية، وتستفرد بموارد المجتمعات وتتقاسمها فيما بينها.
والمخرج من هذه الأزمة، وما نجم عنها من تقهقر فكري وثقافي وديني وإنساني واقتصادي واجتماعي وسياسي، هو في تغيير هذا النظام أو الترتيب أو التوازن السائد، والقائم كما ذكرت على تحالف القوى الثلاث، وفتح باب التحرر والحداثة للشعوب. بمعنى آخر ليست مقاومة الاسلام او الثقافة العربية او التراث للحداثة هو السبب في ما تعيشه هذه الشعوب من أزمات، وإنما العكس تماما هو الصحيح، إن حرمان المجتمعات من حقها في دخول الحداثة بمعناها الحقيقي، وبما تعنيه من تحرير للانسان وتأكيد للحريات والحقوق والسيادة والمشاركة، وإجهاض حركاتها الوطنية والقومية وضرب محاولات تحديثها ، وهذا ما تقوم به القوى الثلاث التي ذكرت، هو وليس الغرب وحده، وإن كان الغرب هو سيد الموقف وقائد المسار، السبب في نكوص الوعي العربي ، وتفجير ازمة هوية قومية ودينية حقيقية في حجر المجتمعات الاسلامية، بلغت في أكثر من مكان وزمان مرحلة العنف بل الحرب الأهلية. وهذه المجتمعات وليس الغرب هي التي تتحمل النصيب الأكبر من التضحيات، بسبب هذه الأزمة التي يكاد يكون معظم ضحاياها من العرب والمسلمين نتيجة الصراع الدامي بين إسلام متطرف وإسلام معتدل وإسلام سلطة وإسلام أهلي وإسلام شيعي وإسلام سني. من دون الحديث عن استنفاذ طاقات المجتمعات وجهد نخبها في تطوير استراتيجيات المواجهة والأمن وتضييع الوقت في نقاشات عقيمة حول العقيدة والدين لا يمكن التقدم فيها لأنها ليست من الشؤون الخاضعة للعقل ولا هي ثمرة الاقتناع بقوة الحجج العقلية وإنما هي ثمرة ردود أفعال سياسية وايديولوجية. وفي النتيجة حرف نظر النخب والمجتمعات وإلهائها عن التصدي لمشاكل التنمية الانسانية الحقيقية، مما يقود إلى تعميق ازمة ضياعها وإحباطها وتفاهم النزوع إلى العنف فيها.
وليس هناك شك في أن المايسترو لهذه الاستراتيجية التي تستهدف حرف الانظار عن مشروع النهب والسرقة لموارد الشعوب العربية ومستقبل أجيالها هي القوى الغربية الاستعمارية. فهي التي تصوغ الأجندة وتقرر الأولويات التي سيسير عليها حلفاؤها واتباعها والمحتمين بها من أصحاب المشاريع السياسية المملوكية والتجارية والشخصية الكثيرة. فلا يهدف تركيز المعركة على الاسلام إلا إلى تجنب طرح مسؤوليات الغرب ونظمه وحلفائه في تفجير الأزمة واستمرارها، وفي مقدمهم إسرائيل والنخب الحاكمة الحليفة وقوى الاقطاع السياسي والكمبرادورية الصاعدة والقاعدة الزبائنية وأصحاب المصالح الضيقة والخاصة وغيرهم ممن يرى فيهم الغرب خير وسيلة للابقاء على سيطرته ونفوذه وإخضاع الغالبية الساحقة من الجمهور وشل المجتمعات وتفكيكها .
حرمان المجتمعات العربية، بأي ثمن وبكل الوسائل، بما فيها شراء نخبها وتدعيم ديكتاتورياتها ضد شعوبها، وزعزعة استقرارها المادي والنفسي، وتحطيم ثقتها بنفسها ومحو هويتها والتشكيك بها، هذا هو جوهر الأزمة وأصلها. وما تبقى ضياع وردود فعل وهيجانات وتشنجات الضحية المتوجعة. ولليس هناك غول إسلامي حقيقي وإنما الغول الحقيقي هو هذا التوازن الناجم عن تلاقي مصالح الأطراف الثلاث: الاستعمارية والديكتاتورية والكمبرادورية الذي يستدعي تهميش الشعوب وشل إرادتها وحرمانها من الموارد اللازمة للنمو والتقدم الانساني ويحول بالضرورة دون دخول معظم المجتمعات في دائرة الحداثة الحقة، وليس العرب فحسب. وهذا التحالف هو الذي صنع البعبع الاسلامي واختلقه من العدم، ولا يزال يغذيه ويرفع من شأنه، ويعزز قوته كلما ضعف أو مات, وقد نجح في أن يستخدم العرب أنفسهم، وفي مقدمهم النظم الحليفة، في تسويق أسطورة هذا البعبع، وقوته وجبروته. فهو يعيش بفضل الخوف الذي ينشره عن طريقه، ويستخدمه من أجل إغلاق النظم وقفلها تماما أمام أي تغيير أو إصلاح. وفي اتجاه هذا الغول الحقيقي المسيطر على جميع موارد الإقليم والمدجج بالسلاح من رأسه حتى أخمص قدميه، والذي لا يكف عن تزويد نفسه بصفقات تفوق الخيال، ينبغي أن توجه النصال كي يحصل التحرر الفعلي، ويخرج العالم العربي ومجتمعاته من أزمة الضياع واليأس والعنف والاقتتال والتقهقر ويدخل في الحداثة الحقيقية والعصر.
لا يعني هذا أنه لا يوجد مد إسلامي حقيقي، وأن العودة إلى الدين ليست هي السمة البارزة لتفكير وسلوك المجتمعات العربية اليوم. فهذا هو الواقع بالتأكيد. لكن هذا المد الاسلامي ليس ترجمة لروح إسلامية ثابتة وجامدة عابرة للتاريخ معادية للعقل وللحداثة وللغرب وللآخر، وإنما هي ثمرة رد فعل على ظروف تاريخية محددة، وبالضرورة زائلة، هي الفراغ الذي خلفه انهيار مشروع الحداثة العربية الذي حملته أفكار النهضة في القرن التاسع عشر، وسارت به الحركات الوطنية الاستقلالية شوطا بعيدا تحت الاحتلال الأجنبي، وحلمت المجتمعات بانه على سبيل التحقيق او يكاد أن يتحقق على يد الحركة القومية الشعبية التي ألهبت مشاعر الجمهور العريض وعبأته من أجل التحرر والانعتاق الناجز في الخمسينات والستينات. وكأي رد فعل، لا يتمتع المد الاسلامي بأي وحدة متماسكة تجعل منه منظومة واحدة ومتسقة قادرة على استخدام الطاقات والموارد البشرية والدينية التي تلتم حولها وتوجيهها لهدف واحد. بل هو مجموعة من الاتجاهات والمنظومات والتيارات والحركات المتباينة والمتنافرة التي تدفع كل منها في اتجاه مخالف للآخر، وتحول دون أي حركة مثمرة أو منتجة او تغيير ايجابي. ولذلك، بدل أن يكون بعبعا على الغير يتحول المد الاسلامي، بصراعاته الداخلية ونزاعاته مع الأطراف الاخرى، إلى غنغرينا ومصدر حروب ونزاعات أهلية لا أفق لها ولا مخرج منها: بين السنة والشيعة، والمتطرفين والمعتدلين، والقاعديين وغير القاعديين، والمتعاملين مع النظم القائمة والمعارضين لها.
من هنا يشكل التلويح الدائم بالبعبع الاسلامي، من قبل الغرب، والنظم القائمة، والنخب المرعوبة، وسيلة لحرف أنظار المجتمعات والرأي العام، العربي والاسلامي والعالمي، عن الغول الحقيقي الذي يدمر أسس الحياة الاجتماعية والسياسية والمدنية في هذه المجتمعات، غول التحالف الثلاثي المقيت بين الاستعمار والاستبداد والعنصرية الاجتماعية التي ترافق صعود الكمبرادورية الجديدة الناشئة وتبرر لها أنانيتها ووحشيتها في مراكمة الثروة والمال.
2 – تظل العلمانية واحدة من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل في الفكر العربي المعاصر،وربما لم ينقطع النقاش حولها -ولا يتوقع له أن ينقطع- منذ وطئت أقدام الاستعمار الغربي بلداننا ، وبدأت تتشكل معالم "صدمة الحداثة والغرب" في الوجدان والفكر العربيين ، إذ يرى بعض المفكرين العرب أن العلمانية متتالية تاريخية تطورت بشكل حصري في السياق الغربي، عكست الأزمات والحلول والصراعات والمساومات السياسية والفكرية والنظرة الفلسفية المتكونة في عصر النهضة وما بعده وتوترات علاقة السلطة الدينية بالزمنية في الغرب، وهي بالتالي لا تصلح للعالم العربي والإسلامي، في حين يرى آخرون أن الخطاب العربي المعاصر حول العلمانية تناولها تناولا سطحيا على صورة إيديولوجية مبتسرة يغلب فيها السجال على النظر المتروي وعلى الاعتبار التاريخي تبعاً لخطاب الوسط ، وفق مقولة " جعلناكم أمة وسطا" ؟ ولكن توجد إلى جانب تلك الآراء المتعارضة، بعض الأبحاث الجادة والعلمية في هذا الصدد، فكيف تقيمون تلك الآراء والأبحاث في هذا الصدد؟
للعلمانية وجهان، وجه خصوصي مرتبط بشروط نشوئها الأول، وبخصائص المجتمعات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي بلورت مفهومها، وبالتوترات والتناقضات التي كانت نظمها الاجتماعية تعيشها، والصرعات التي تفجرت في حضنها بين القوى الفاعلة الدينية والمدنية، والمساومات أو التسويات التي وصلت إليها لضمان استقرار النظام الاجتماعي. ووجه عام مرتبط بتاريخ تطور الفكر والممارسة الحضارية للانسانية عموما، والانتقال من نظم اجتماعية نسميها اليوم قديمة أو تقليدية، قائمة على مركزية الجماعة والهوية وبالتالي الايديولوجية في تحقيق الوحدة والاندماج والاستقرار، إلى نظم حديثة تقوم على مركزية الدولة القانونية التي تسمح بهامش كبير من الاستقلال الايديولوجي وحرية الرأي، وبالتالي بمزيد من حضور النظرة الموضوعية والمعرفة العلمية، وتستدعي تعزيز الحريات الفردية والضمانات القانونية.
والاشكالية العلمانية كما طرحت في القرن العشرين هي نتاج هذين المسارين ، أعني الصراع في أوروبة بين السلطة الدينية المتمثلة في الكنيسة التي كانت روح النظام القديم وكافلته ومشرعنته، أي ايديولوجيته العميقة، والسلطة السياسية المتمثلة في الدولة. وقد تحولت الدولة في هذا السياق إلى محور استقطاب ومركز استثمار جميع القوى الجديدة الصاعدة على أنقاض النظام الارستقراطي والجماعوي القديم، وفي مقدمها الأمير الحاكم ، أو القوى الملكية المركزية التي تنزع إلى الاستقلال عن الكنيسة أو توسيع هامش مبادرتها السياسية. وكانت النتيجة نشوء تفاهم ضمني جديد بين القوى الصاعدة ، الملكية والبرجوازية والنخب الثقافية، حولت الدولة شيئا فشيئا إلى محور بناء أمة سياسية، أي جماعة جديدة لا تجمع بين أفرادها العقيدة، مهما كانت، دينية أو زمنية، ولا الأصل الإتني أو العرقي، ولا المهنة الواحدة أو الثقافة الخاصة، وإنما عقد او مجموعة مباديء سياسية وقانونية تنظم أسلوب التعامل في ما بين الأفراد، وهي القواعد التي سيخرج منها مفهوم الدولة القانونية حيث يشكل الخضوع للقانون الواحد، المستند إلى إرادة الأفراد الحرة والمستمد منها، الالتزام الوحيد للفرد تجاه الفرد الآخر . وهذا أصل المواطنية وقانونها القائم على ضمان الحرية الفكرية والسياسية للجميع من جهة، أي حق الاختيار الاجتماعي، والمساواة الأخلاقية والقانونية من الجهة الثانية.
ومن الواضح أن الصراع ضد السلطة الكنسية الطاغية، أو ما سميته، في كتابي نقد السياسة، السطان الديني النازع إلى فرض الوصاية على الفكر والضمير، والسلطة السياسية معا، هو الذي ولد مفهوم السلطان السياسي المستقل عن أي تأثير خارجي، وفي مقدمه تأثير الكنيسة أو ضغوطها، والذي نعبر عنه بنظرية السيادة، سيادة الدولة، التي هي انعكاس وتجسيد معا لسيادة الأمة، التي هي تعبير أيضا عن سيادة وحرية واستقلال وكرامة كل فرد من أفرادها، أي تعبير عنها بوصفها أمة من المواطنين المستقلين والمتساوين. وقد تبلورت فكرة العلمانية في هذا السياق وصارت رديفا لفكرة المواطنية والديمقراطية والحرية الدينية والعقدية عموما، أي ايديولوجية التحرر من الوصاية الكنسية ، تحرر الدولة وتحرر المجتمع وتحرر الفرد في آن. وهي بهذا المعنى لا تنفصل عن ايديولوجية التحرر الحديثة، وعن الحداثة، وتشكل جزءا لا يتجزأ منها.
تاريخ تبلور مفهوم العلمانية هذا تاريخ خاص بالغرب، وبتاريخ الصراعات داخل المجتمعات الغربية، وبتاريخ تحرر هذه المجتمعات من الوصاية الكنسية، ولا يمكن أن ينقل أو يستنسخ في أي مجتمع آخر لأنه تاريخ خاص. ومن الواضح أن هذا المفهوم الايديولوجي للعلمانية لا ينطبق على المجتمعات العربية ولا الاسلامية، كما لا ينطبق على المجتمعات الآسيوية والأمريكية اللاتينية. وبالعكس شكل الاصلاح الديني في نهاية القرن التاسع عشر، وقام على أساس العودة إلى ما سمي الدين الصحيح والأصلي للسلف الصالح، المتفق مع العقل والسنن الكونية، أساس ايديولوجية التحرر من السلطة الدينية التقليدية في المجتمعات الاسلامية، التي لم تكن هي نفسها سلطة وصاية كنسية بمقدار ما كانت رديفا للسلطة المركزية الاتوقراطية والبيرقراطية، أي للجمود والمحافظة والاستقالة العقلية. وفي المقابل ولدت العلمانية هنا كجزء من الحداثة أو كأداة من أدوات التحديث واللحاق بركب الحضارة الانسانية. وكان مثال ذلك الأكبر، العلمانية التركية التي كانت جزءا من الثورة الكمالية ضد السلطنة العثمانية. ولهذا لم ترتبط ايديولوجية العلمانية هنا، وهذا هو تاريخ تكون المفهوم، بعملية التحرر الفردي والاجتماعي والسياسي من الوصاية الكنسية وبخلق شروط ضمان الحرية والاستقلال الفكري والروحي للفرد وبناء المواطنية المتساوية، وإنما بتحديث هياكل السلطة والاقتصاد والمؤسسات المدنية، وبقيت مثلها مثل مشروع التحديث، ايديولوجية نخبة إصلاحية، أو ثورية بالأحرى، تسعى إلى استدراك تخلف المجتمعات العربية والاسلامية. ومن هنا لم تنشأ لايديولوجية العلمانية هنا جذور عميقة في المجتمعات وإنما بقيت جزءا من ايديولوجية الدولة الحديثة، وشعارا من شعارات النخب التحديثية. ومن الطبيعي أن يؤدي انتكاس ايديولوجية الحداثة وأفكارها إلى انتكاس الفكرة العلمانية ويهدد بالإطاحة بها، ويفاقم من تصويرها، عند قسم متزايد من الجمهور، على أنها ايديولوجية غربية أو غريبة، بل جزءا من المشكلة، أي من الإخفاق الذي شهدته المجتمعات العربية في عملية تحديثها، أو سببا فيه، لا حلا أو جزءا من حل هذه المشكلة. مما يفسر تنامي أدلجة هذا المفهوم، وتزايد إفساده والنظر إليه كما لو كان رديفا للاستلاب والخروج عن الهوية والتعلق بالأوهام، إن لم يكن رداءا للكفر والخروج عن الجماعة والدين، من قبل القسم الأكبر من الجمهور المتراجع هو نفسه عن حلم الحداثة، ومعاملته بوصفه ايديولوجية تحرر نخبة حديثة ضائعة من مجتمعاتها ومن التزاماتها الاجتماعية على أثر نكسة الحداثة وانسدادا أفقها وحظوظها.
لكن العلمانية ليست مسألة ايديولوجية فحسب ولكنها واقع موضوعي أيضا. وهو واقع لا يخضع للاختيار أو للمساومة، لأنه مرتبط بمنطق عمل النظام الحديث المتطور. ويعني التطور تزايد الطابع التركيبي للنظام الاجتماعي وفي سياقه تنامي الحاجة إلى تطور تقسيم العمل الاجتماعي وتنوع الاختصاصات العلمية والعملية، وبالتالي استقلالها واحدتها عن الأخرى، وتكوين حقول بحث واختصاص متميزة تضبط نفسها من داخلها، وحسب معايير عقلية، ولا تبحث عن كفالتها في سلطة واحدة شاملة ومحتكرة للصدقية الأخلاقية والمعرفية والعملية. فالدخول في نظام الحداثة يعني استقلال السياسة كنشاط اجتماعي خاص عن الدين تماما كما افترضت من قبل استقلال العلم عن الفلسفة، ثم استقلال العلوم الاجتماعية عن العلوم الطبيعية، واستقلال المجتمع عن الدولة، واستقلال الفرد عن المجتمع، أي استقلال المجال الخاص عن المجال العام. فهذا الاستقلال لكل ميدان من النشاط بنفسه هو شرط تطور النظام الاجتماعي ككل، وقاعد تكوين حقول مستقلة تخضع لمعايير وسلطة وأهداف داخلية خاصة بكل حقل تضمن كفاءته وفعاليته وتحسين إنتاجيته. فلا يمكن للدولة أن تنضج وتكتمل شروط وجودها إذا ظلت عالة على الدين وحصرت ضمن أحكامه وغاياته، ولا للاقتصاد أن يتطور إذا خضع لمنطق العقيدة، دينية كانت أو مدنية، ولا للعقل أن يبدع إذا ظل الفرد، العاقل والمفكر، فاقدا للحرية الشخصية، وللمبادرة الخاصة، وملحقا بالجماعة وخاضعا في تفكيره وسلوكه لما تمليه عليه وتطلبه منه، ولا للمجتمع أن ينمي قواه الذاتية التي تمكنه من ضبط القوى والمؤسسات الناجمة عن تقسيم العمل الاجتماعي وظهور الشركات والرساميل الكبرى في المجتمع الصناعي، من دون أن يستقل عن الدولة ويضمن حرية إرادته وتنظيمه المدني، أي وجود الرأي العام المستقل وغير المتلاعب به ووجود المؤسسات والجمعيات الأهلية. ولا يعني الاستقلال هنا الانفصال بأي صورة كانت، وإنما بالعكس، تطوير كل حقل نشاط اجتماعي والارتفاع بمستوى التفاعل والتضامن والتكامل بينها جميعا بما يساهم في الارتقاء بآليات عمل النظام ككل وفعاليته.
فلا تقوم وحدة النظام العام في المجتمع الصناعي الحديث على صبغ جميع الحقول بلون ايديولوجي واحد أو إخضاعها إلى سلطة متعالية أو عالية، وإنما من خلال الضبط المتبادل للسلطات التي ترتبط كل منها بحقول النشاط، أو ضبط ايقاع كل حقل على ايقاع الحقل الآخر. وهذا ما تقوم به السياسة المدنية، أي السلطة العليا المرتبطة هي نفسها بجميع المصالح الاجتماعية والمعبرة عن جميع قطاعات الرأي، أي عن الأمة بوصفها مجموع هذه المصالح وحاصل اتساقها في الوقت نفسه. فوحدة النظام والتواصل بين عناصره ليسا قائمين بصورة مسبقة في اتساق عقيدة الأفراد ووحدتها، وإنما هي ثمرة جهد منظم وعقلاني مستمر ومتشعب، هو ما نسميه السياسة. والسياسة تعني الصراع من أجل الوصول إلى التوازنات والتسويات والتفاهمات التي تضمن الوحدة ضمن دائرة المحافظة على حرية الأطراف واستقلالها، وفي الوقت نفسه فرص التغيير والتحول والتطور والابداع.
3 – هل تعتقدون بوجود إمكانية فعلية لإلزام التيارات الإسلامية علي التحول إلى -أو الذوبان – في تيارات مدنية بصبغة علمانية- عملا يحسب على الديمقراطية ولا يمس حرية الفكر والاعتقاد الديني والسياسي و مبدأ المواطنة والمساواة أم لا؟
– لا يستطيع المثقفون العلمانيون فرض رأيهم على أحد، ليس لديهم الوسائل، وليس المطلوب منهم ذلك. أما السلطة السياسية فإنها تستطيع استخدام الضغط وربما القمع لإلزام الجميع على طاعتها، لكن القمع لايحل الخلاف ولا يغير الأفكار والاعتقادات. ففي المجتمع لا يمكن إلزام أي طرف برؤية الطرف الآخر، من دون المساس بهويته، وربما دفعه إلى العنف والانتقام. أما تشجيعنا السلطة السياسية على فرض رؤيتها على التيارات الاسلامية فهو يعني تسليمنا أيضا بحق السلطة ذاتها على أن تفرض علينا وعلى جميع قطاعات الرأي العام رؤيتها، وبالتالي التنازل للسلطة عن حقوقنا وحرياتنا، وإطلاق يدها تماما في الشؤون الفكرية والاجتماعية، وبالتالي المساهمة في تعزيز السلطة الاستبدادية وترسيخ روح الوصاية، وصاية الدولة الكنيسة على المجتمعات والأفراد. وهذا هو ما نعيشه الآن، وما يفسر مأساة الحريات المدنية والسياسية أو مذبحتها في أقطارنا.
المطلوب بالعكس التعاون بين جميع أصحاب المباديء الحرة واحترام الانسان على تفكيك نظم القمع والوصاية وفرض الرأي السائدة، وذلك من اجل خلق شروط تسمح للاسلاميين، كما تسمح لغيرهم، بتطوير تفكيرهم، والاعتراف بالرأي الآخر، وبالاختلاف، والالتزام بالصراع السلمي وقواعد العمل القانوني والديمقراطي وجدواه. باختصار لا نستطيع بالقمع أن نقنع الطرف الآخر بجدوى التخلي عن سلاح القمع. وما سمح للديمقراطيات الغربية أن تنمو وتتطور وتستقر أنها لم تخضع لمنطق القمع، حتى تجاه الحركات الثورية التي كانت ترفض الديمقراطية وتعتبرها خدعة برجوازية، وفي مقدمها الشيوعيون. ولم تقل إنه لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية، ولكنها نجحت لأنها لم تخضع لابتزاز اليمين بالقمع، وأثبتت للرأي العام أن النظام الديمقراطي أقوى من أعدائه، بل إنه قادر على استيعاب إعدائه. مما فرض على هؤلاء الالتزام بقواعد العمل الديمقراطي حتى عندما كانوا يرفضون مفهوم الديمقراطية ا"لشكلية"، ثم قادهم في مرحلة لاحقة إلى التمسك بها ضد أي خيارات سلطوية سواء سميت ديكتاتورية البروليتاريا او الديمقراطية الشعبية والاجتماعية. لا نستطيع أن نبرهن للناس على أن نظام الديمقراطية أفضل من الديكتاتورية إذا قبلنا نحن أنفسنا أن نلجأ إلى الديكتاتورية لدعم الديمقراطية أو كبديل عنها. وفي نظري تطور مقاربة الاسلاميين لمسائل السلطة والحكم مرتبطة بتطور وسائل الحكم والسياسة والتفكير السياسي في مجتمعاتنا وعند نخبنا المثقفة عموما. لكن هذا يتضمن أن ننظر إلى الاسلاميين السياسيين على أنهم أصحاب قضية، مهما كانت، لا مجرد مرضى بالدين وجهلاء وظلاميون ومعادون للحداثة والغرب. فهم في نظري، قبل هذا وذاك، معارضون سياسيون، ومتمردون على السلطات القائمة. وهم يستمدون قوتهم ونفوذهم الايديولوجي والسياسي من معارضتهم هذه للنظم القائمة، لا من جهلم أو محافظتهم الدينية او عدائهم للغرب والقيم الحديثة. وتطوير فكر الاسلاميين يبدأ بحل مشكلة هذه الأنظمة التي يرى فيها الجمهور العريض أيضا مثالا للظلم والقهر والغطرسة والانفصال عن المجتمعات والاستهتار بالمصالح العامة والعمالة للخارج. فلكل فعل رد فعل من طبيعته ونمطه. وهذا ما يفسر سرعة انحياز الاسلاميين أو بعضهم لأفكار الديمقراطية وتخليهم عن الخيارات العنفية في كل الحالات التي دخلت فيها النخب العلمانية بجد في عمية معارضة للنظام، وأثبتت أنها يمكن أن تكون حاملة لمشروع نظام ديمقراطي وتعددي، يختلف عن تلك النظم القمعية والبوليسية التي تستخدم شعار العلمانية كورقة توت تغطي بها على عورتها أمام قطاعات الرأي العام العالمية.
4 – ما الحل الأمثل برأيكم للتعامل مع الحركات الإسلامية ( أخذا بالاعتبار تجربة الإسلاميين في الجزائر وسوريا ومصر والعراق) ؟
– الحل الأمثل يكمن في التعامل معهم كأصحاب رأي ووجهة نظر مختلفة في المجتمع وربما في الدين، والنقاش معهم حولها ومقارعة حججهم بالحجج العقلية والمنطقية، وعدم التسليم بانتصارهم السياسي نتيجة ازدهار المشاعر الدينية لدى عامة الناس، ولا بالتالي التنازل لهم عن مسألة الكفاح من أجل التغيير، أي عن المستقبل، والتشبث بالنظم القائمة كخشبة خلاص. فاستقالة المثقفين والنخب العلمانية عموما في معركة الديمقراطية هو الذي يجعل من الاسلام السياسي المشروع الوحيد البديل المطروح امام الرأي العام.
– والحال إن الحل يكمن في بلورة مشروع الديمقراطية كمشروع بديل في مواجهة النظم الفاشلة والقمعية الراهنة. وهذا ما سيعطي للديمقراطية والقيم الانسانية المرتبطة بها، من حرية وعدالة ومساواة واستناره عقلية، صدقيتها أمام قيم المشاريع الاسلامية المرتبطة بقيم السلطة الدينية والعصبية الجمعية والأفضلية المذهبية والولاءات الجمعية الايديولوجية. إن ما يعزز موقع الاسلاميين ونفوذهم في المجتمع هو اصطفاف النخب العلمانية، وهي نخب مثقفة على العموم، وذات نفوذ في القطاعات الحيوية من الإدارة والسياسة والاقتصاد، إلى جانب النظم القمعية والنخب المافيوزية، بعضها للحصول على الامتيازات، وبعضها الآخر للحفاظ على حقوقها الطبيعية، وبعضها الثالث خوفا مما هو أسوأ. والنتيجة غياب أي بديل ديمقراطي جدي، ووضع المجتمعات والرأي العام أمام تحدي الاختيار بين الحل الاسلامي والحل الكمبرادوري الاستبدادي القائم. وفي هذه الحالة من الطبيعي أن تكون الأرجحية عند الرأي العام للحل الأول، لأنه إذا كان استبدادا فسيكون على الأقل لصالح المحرومين من السلطة والنفوذ والجاه، بالإضافة إلى وجود أمل أو وهم أكبر في أن لا تكون النخب الاسلامية على الدرجة نفسها من انعدام الأخلاق وسوء الإدارة وعدم الشعور بالمسؤولية. ومن الطبيعي أيضا أن يؤدي التمسح الشكلي للنظم الفاسدة القائمة بالعلمانية إلى تلويث سمعة هذه الايديولوجية وإساءة فهمها وتاويلها.
والحل الأمثل للتعامل مع الحركات الاسلامية هو تغيير العلمانيين، أو من يعتقدون أن العلمانية هي الأبرز في عناصر هويتهم أو مضمونها، أسلوب تعاملهم مع النظم السياسية والاجتماعية التي تقدم المجتمعات فريسة سهلة لجميع أصحاب الدعوات التغييرية، وفي الأساس ايجاد مشروع التغيير الديمقراطي الوطني الذي يشكل المخرج الوحيد لأزمة المجتمعات وضياعها. وبلورة مشروع تغيير ديمقراطي وطني لاتعني رفع الشعارات فقط، وإنما الصراع مع الجمهور الواسع، كل في مجاله، من أجل ضمان حقوقه، والصراع ضد السلطة الاستبدادية في صفوف النخب الحاكمة وغير الحاكمة، المسؤولة عن استمرار النظام وفساده، والصراع ضد جميع أشكال القهر والسيطرة الاجنبية والاستلاب، والصراع أخيرا لخلق ثقافة حرة تبني الفرد من الداخل وتؤسس لحياة أخلاقية وروحية واجتماعية حية ومرضية.




















