الجزء الاول هنا:
https://arraee.net/interview/16414.html
5 – هل يحق للمفكرين العلمانيين القيام برسم صورة الإسلام الصحيح بدلا عن الإسلاميين؟ وكيف يعطي الفكر العلماني بتنويعاته الحق لنفسه بادعاء التعبير عن ارادة الشعب أو أنه والسياسة، الإسلام الصحيح أو علي الأقل عن الفهم الصحيح لعلاقة الدين بالسياسة بدون الرجوع إلى رأي الأغلبية الشعبية؟ وهل إن فكرة فصل الدين عن السياسة والدولة أو غيرها من أفكار العلمانيين المتصلة بالدين والسياسة، هي أفكار معصومة عن الخطأ وممنوعة معارضتها؟
– بالتأكيد لا. فأصل التخبط الأعمق في فكرنا الراهن وفي تعاملنا مع بعضنا ومع الدين هو الخلط بين المهام الفكرية والعلمية والمهام الايديولوجية والدينية. فالاصلاح الدني مهمة دينية وهي من مهام أصحاب الخطاب الديني، ولا يصلح لمن هو من خارج دائرة هذا الخطاب أن يتحدث فيها. لكن هذا لا يمنعه، مثله مثل أي إنسان، أن يعبر عن رأيه بالفكر الديني السائد وأن ينتقده ويظهر مطباته وأخطاؤه. فهذا حق لكل إنسان ولا ينكره الاسلام على المسلمين بصرف النظر عن موقعهم الديني كما تؤكد عليه منظومة حقوق الانسان الحديثة. ومأساة مفكرين كبار مثل محمد أركون الذي غيبه الموت في الأسبوع الماضي، هي أنه أراد أن يكون في الوقت نفسه ناقدا للفكر الديني، على طريق فلاسفة الأنوار، وهذا مهم وضروري، ومصلحا دينيا في الوقت نفسه، وهذا مستحيل. لا يقوم الاصلاح الديني على النقد العقلي للدين، ولا يمكن إلا أن يقود إلى سوء فهم، وإلى إساءة للنقد الديني وللاصلاح الديني معا.
ناقد الفكر هو فيلسوف، يبحث عن الحقيقة الموضوعية كما تمكنه منها أدواته النظرية وأبحاثه العلمية. وهو لا يراعي، أو لا ينبغي أن يراعي، رأي الجمهور ولا حتى أن يهتم كثيرا في ما إذا فهم إشكالياته العلمية أو لم يفهم. جمهور الفيلسوف المرجعي هم الفلاسفة أنفسهم أو النازعين إلى الفلسفة، والذين يعتبرون الوصول إلى الحقيقة الموضوعية غاية في ذاتها بصرف النظر عن أي اعتبار آخر. وبالعكس المصلح الديني أو الاجتماعي لا يبحث عن المعرفة الحقيقية، وليست الحقيقة الموضوعية هي همه او غايته. إن غايته هي تغيير أوضاع المجتمع أو إصلاح مؤسسة ما، دينية أو مدنية. ومن أجل هذا الاصلاح يستخدم وسائل متعددة تقع في مقدمها الأسطورة والرمز والحلم والطوبى وكل ما يمكن إدراجه تحت مفهوم الايديولوجية التي تبرر خيارات التغيير وتؤسس لشرعية قيامه. وجمهور المصلح الرئيسي ليس الفلاسفة ولا المفكرين وإنما الجمهور الواسع الذي يتوقف على تغيير توجهاته وأفكاره مستقبل الاصلاح والتغيير. باختصار عمل المفكر توصيفي وعقلاني وعمل المصلح ايديولوجي وتبشيري إلى حد كبير.
لا ينبغي للمفكر أن يهدس دائما بموقف الجمهور العام. بل عليه القبول باحتمال أن تقوده أبحاثه إلى العزلة والانعزال، وربما الموت دفاعا عن الحقيقة، كما حصل لكبار المجددين في العصور الوسطى. وحقيقة المصلح هي صحة الاختيارات الايديولوجية التي يقوم بها وصلاحها وقدرتها على أقناع الناس وتوحيد إرادتهم من حولها، وهو ما لا يمكن من دونه نجاح مشروع الاصلاح.
ومشكلتنا نحن هو اننا نريد أن نكون مصلحين وفلاسفة نقديين في الوقت نفسه. فننتقل من البحث عن الحقيقة إلى المساومة عليها مع الجمهور، فنخترع مناهج وطرق مداورة ومناورة ونفاق أحيانا، تفقد حقيقتنا العلمية صدقيتها، ولا تقود إلى بناء حقيقة ايديولوجية ايمانية قادرة على تعبئة الجمهور وقيادته نحو غايات جديدة. فنخسر بذلك التجربة العلمية ولا ننجح في القيام بأي إصلاح ديني.
ذكرت هذا كله حتى أقول: لا يمكن لنا نحن المفكرين والعلماء، ولا نستطيع أن نكون مصلحين دينيين وأن نعمم رؤية جديدة للدين. ومثل هذا العمل إذا حاولنا القيام به يعكس جهلنا بشؤون العقيدة والعلم معا. حتى أكون مصلحا دينيا ينبغي أولا أن أحظى بثقة المتدينين، وأن أكون بالتالي واحدا منهم، وأن املك سلطة مرجعية، أي أن يعترف لي من قبل المتدينين بالحق في الكلام في الدين، أي أن يكون لكلامي معنى عند المتدينين، ومن المفيد أن يكون لي سابقة دينية أو فضل معرفي أو أخلاقي أو سياسي يجعل كلامي مسموعا عند من أريد تغيير أفكارهم وتجديد عقائدهم. وأول شروط الاصلاح والتغيير الديني هو أن يثق المؤمنون بالمصلح نتيجة صدقه وفضله وعمله الديني وإخلاصه للعقيدة والدين.
فالاصلاح الديني لا يستند إلى العقل، ولا يرتبط بقوة الدليل العقلي، أو المحاكمة الموضوعية، ولا علاقة له بنشر التاويل العقلي للقرآن أو للدين. قد ينجم هذا التأويل الأقرب إلى المنطق العقلي عن الاصلاح، لكنه ليس أصله ولا وسيلته. فالدين يعتمد بالأساس على الايمان، والايمان ليس من أفعال العقل، بل هو عكسه، إولا يستند إلى الحجة المنطقية الموضوعية أو المادية، وإنما تحركه القصة والعبرة والرواية الرمزية. فهو بالتعريف فعل تسليم. وهنا، التسليم بحقائق تتجاوز العقل، حقائق وجود خالق للكون، وبالتالي للانسان، من خارج الزمان والمكان، لا يحول ولا يزول ولا تدركه العقول.
لذلك لا يقوم الاصلاح الديني على عاهل مفكرين وفلاسفة عقلانيين ولا علماء رياضيين، وإنما على عاهل رجال دعوة دينيين من أصحاب الكرامة والجاذبية والسحر الشخصي. ولا يتم الاصلاح أيضا بقرار، ولا يعتمد على نوعية الفكر العقلاني أو غير العقلاني، إذ ما قيمة الفكر الجديد إذا لم يلق صدى لدى المؤمنين، ولم يؤثر فيهم، ولم يرد على حاجاتهم الروحية والفكرية.
هذا لا يعني أنه لا قيمة للفكر الفلسفي والعقلي أو للتأويل الفلسفي والتاريخي للدين، مما نشط به الكثير من مفكرينا في العقود الأربع أو الخمس الماضية. لكن ليس على مستوى عملية الاصلاح الديني، أي إصلاح ايمان الملايين، بل مئات الملايين من البشر، وإنما من باب تطوير الفكر النقدي عند النخب الاجتماعية، وعند الرأي العام ككل، وهو ما لا بد أن ينعكس ايجابيا على مستوى الجمهور الواسع وأسلوب تعاطيه مع الدين، وربما أعد لولادة المصلحين من المتدينين الذين يرون في تجديد العقيدة الدينية، أو في إدخال أفكار مبتكرة على الفكر الديني، أو نقد ما هو سائد من تقاليد دينية ليست جزءا لا يتجزأ من الدين، أو ابتكار معان وتأويلات جديدة في الدين، غاية نشاطهم ومشروع حياتهم الفكرية.
هذا يعني ان تطوير مناهجنا العلمية وتوسيع دائرة نشاطنا الفكري، وتجديد أساليب تناولنا لمشكلات قديمة وحديثة، والارتقاء بمستوى وعينا النظري وقدراتنا على مواجهة ما يستجد من أمور العالم، هو هدف الفلسفة والمفكرين، وهو غاية قائمة بذاتها، ومفيدة، وضرورية، بصرف النظر عما إذا أدت إلى إصلاح عقائد الجمهور الواسع ام لا، وليس لها علاقة مباشرة بهذا الاصلاح، ولا تهتم مسبقا في أن تكون مقبولة من الجمهور الواسع أو عموم الجمهور أم لا.
والحال إن ما أساء إلى تفكيرنا في العقود الماضية هو أننا حولنا العلم إلى دعوة تبشيرية فصرنا نطالب الجمهور بأن ينظر إلى الدين نظرة علمية، من دون أن ندري أننا بذلك نحول الدين إلى علم، أو نجعله بديلا عنه. والحال أن العلم غير الدين، وجمهور العلم غير جمهور الدين، وغاياته غير غايات الدين. وبالمثل لا يؤمن الناس بالأديان لكونها ترد على مطالب عقلية، او تساعد على معرفة الحقائق الموضوعية. للايمان منابع وحوافز ودوافع ونوابض مختلفة تماما ومتعددة، روحية وثقافية واجتماعية وسياسية وأحيانا اقتصادية أيضا. وتصور الناس الراهن، والسائد، للاسلام، أو لمطالب الايمان الاسلامي، ليس لها علاقة مطلقا بمقدراتهم الخاصة على التفكير العلمي أو النظر الموضوعي، وجودهما أو عدمه، وإنما بحاجات تتجاوز العلم والعقل المجرد القياسي، وتصب في معقوليات متعددة وخصوصية، ترتبط بشروط حياة الأفراد الاجتماعية وشروط حياة المجتمعات في المنظومة الدولية.
والعلمانية هي شرط من شروط ممارسة السياسة في الدولة الحديثة ولا علاقة لها بالدين. ولا ينبغي أن تناقش في إطار النقاش في الدين أو تجديد الفكر الديني أو الاصلاح الديني. وليس لأحد، لا في الدين ولا في العلمانية، عصمة خاصة تجعله بعيدا عن الخطأ. وكما أن شيئا لم يمنع البعض من استخدام الشيوعية، التي أرادت أن تكون تتويجا للنزعة الانسانية في سعيها إلى تحقيق العدالة والمساواة والانعتاق الشامل، وسيلة للتغطية على نظام التمييز الاجتماعي وتكريس الهرمية والطبقية بل الطائفية، وتعميم العبودية، لا شيء يمنعنا نحن، أقصد في جيلنا، من استخدام العلمانية وسيلة للتغطية على نظم التمييز والقهر واللامساواة.
الجواب على ذلك هو دائما: الصفاء الذهني، وابتعاد المفكرين عن الرهانات العامة، وفي مقدمها السلطة، والحفاظ على على جذوة الفكر النقدي حية.
6 – يتم منذ فترة ليست بالقصيرة تداول مصطلح – العلمانية الإنسانية -، فهل هذا تعبير من العلمانيين العرب لتمييز علمانيتهم عن علمانية تركيا تحت حكم العسكر التي رغم نجاحها رافقت تطبيقاتها الكثير من المظالم و الإجحاف بحق المجتمع التركي المسلم المحافظ، والقوميات الأخرى، وبالقوى السياسية المعارضة ؟
-لا أعتقد أن أحدا آخر استخدم هذا المصطلح غيري، وكنت أعني به في الرد على فريق من الذين وصفتهم بأنهم يستخدمون العلمانية كايديولوجية تغطي على الدغمائية الفلسفية وتضفي المشروعية على الاستقالة الاجتماعية، وتبرر الالتحاق بنظم السلطة القهرية، العودة إلى روح النزعة الانسانية التي ألهمت العلمانية، وقيمها الكبرى، التي انطلقت من تقديس الإنسان، بصرف النظر عن أصله وفصله وتحصيله العلمي وجهله وعلمه، أي من حيث هو إنسان، والايمان بمقدرته على الارتقاء بذاته، والارتفاع إلى مستوى السلوك الأخلاقي والوعي العقلاني والموضوعي في الوقت نفسه. فالانسانية تعني الثقة بالانسان والتفاؤل بإمكانية تقدم مداركه ومبادئه الأخلاقية، وبالعكس تركز العلمانية الرثة على قضايا إجرائية صرفة مثل فصل الدين عن الدولة، وقضايا السلطة، وترتبط برؤية آلية، لا تهتم فيها بمصير الإنسان الفرد ولا بمستقبله. وهي عندنا تنطلق من التسليم بسوء الانسان العربي وتمسكه الأعمى بالدين وعجزه عن الارتقاء إلى آفق الحياة الأخلاقية المدنية والسياسية الحديثة، وتنظر إلى العلمانية كوسيلة إضافية لإخضاعه وإكراهه على الدخول في حضارة معاصرة تفترض أنه معاد بالطبع والثقافة لها. هنا تبدو العلمانية جزءا من آلة سياسية، من الدولة القهرية، التي تشكل وحدها الضمانة الرئيسية لولادة الحرية وممارستها من قبل فرقة، عرفت نفسها منذ البداية، بانها الفرقة الناجية التي نجحت في تمثل قيم الحرية المعاصرة والاستنارة العقلية.
وهذه العلمانية السائدة اليوم لدى قسم كبير من نخبنا المثقفة هي كما هو واضح ارتداد فج عن قيم النزعة الانسانية التي لا يشكل الايمان بوحدة الانسان وبمقدرة جميع البشر على الارتقاء بأنفسهم وسلوكهم الأخلاقي ونظمهم الاجتماعية، بما في ذلك تمثل قيم العلمانية وغيرها، أساس شرعيتها فحسب، وإنما برنامج عملها التاريخي أيضا. العلمانية الانسانية هي العلمانية التي حافظت على روحها واستمرت في الايمان بوحدة الانسان، من دون تمييز بين المتنورين وغير المتنورين، أي بحق كل إنسان في الاستنارة والتقدم، ورفض إدانة أي مجموعة، أغلبية كانت أم أقلية، بالجمود أو بالعجز عن الارتقاء نحو ما يمكن أن يرتقي إليه أي إنسان، ورفض أي تمييز ضد أي جزء من أبناء الانسانية، وبالتالي رفض فكرة الاستثناءات العربية أو الاسلامية، التي تعني إدانتها بالخروج من تاريخ الحضارة الانسانية الواحدة.
7 – لقد عاشت المجتمعات العربية الكثير من فتاوى التكفير والعقاب الظالم بحق كثير من أصحاب الفكر المغاير المختلفين المعروفين لنا جميعا، لكننا لم نسمع عن مثل هذه الفتاوى، في إيران مثلا ، بحق مفكرين إيرانيين ( من أمثال علي دشتي و عبد الكريم سروش ، واكبر غنجي) طرحوا أفكارا مخالفة للسائدة، و تتنافي مع ولاية الفقيه، وتشكك حتى في أساسيات الإسلام و المذهب الشيعي؟ ترى ما هي أسباب هذا الاختلاف؟
-النظام الايراني الراهن بالرغم من طابعه التيوقراطي البارز نظام ولد من رحم ثورة شعبية سياسية ضد تحالف الارستقراطية المحلية مع الامبريالية، لها ابعاد اجتماعية وقومية عميقة. فهو يتمتع بقاعدة اجتماعية وبشرعية ثورية قريبة من تلك التي كانت تتمتع بها النظم القومية الشعبوية التي انتشرت في الستينات في العالم العربي وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. وهذا ما يسمح له بهامش مناورة كبير نسبيا، لا يمكن مقارنته بهامش المبادرة الذي تتمتع به النظم المافيوزية العربية التي لم يعد لها قاعدة اجتماعية سوى الكتلة الزبائنية من رجال الاعمال والمستفيدين من النظام، وتفتقر لأي شرعية سياسية أو ايديولوجية، ولا تحظى بأي تأييد شعبي. القمع الشامل الذي تمارسه على المثقفين والمعارضين السياسيين هو التعبير الدقيق عن انحشارها في الزاوية وشعورها بأنها محاصرة، وأنها لا تستطيع البقاء إلا بخوض حرب وقائية مستمرة على المجتمعات، وعلى القوى النقدية والاحتجاجية منها بشكل خاص.
8 – أتذكر كلاما لجبران خليل جبران يقول فيه -إن أراد العرب أن يكونوا أمة عظيمة فعليهم أن يصبحوا جزء من أمة عظيمة- ولا بد أن الأمم العظمى في عهده كانت بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا , كيف تفهمون هذا الكلام؟ فهل كان جبران على حق ؟
-لا أعتقد أن جبران كان يعني الالتحاق بالأمم الأخرى وإنما تشكيل أمة كبرى مشابهة لهذه الأمم، أي تمثل القواعد والمباديء التي قامت عليها الحياة العمومية في هذه الأمم. وخلاف ذلك لا معنى له ولا يمكن أن يستقيم. فمن الواضح أن التحاق العرب بأمة عظيمة لن يجعل منهم أمة عظيمة أبدا وإنما مستعمرات وملحقات وربما أدوات في يد هذه الأمم تتلاعب بها وتستخدمها لتحقيق مصالحها الخاصة. والبقاء في حالة الانقسام والتشرذم والعداء لا يخلق شروط التنمية والتقدم المطلوبة. وعلى أية حال جبران شاعر وأديب كبير لكنه ليس رجل استراتيجية ولا مؤلف عظبم في تاريخ الدول والشعوب حتى يصبح لقوله سمة المرجعية أو الإلهام في هذا الميدان.
9 – لقد طرحتُ على مفكرين آخرين ضمن مشروع حواراتنا تساؤلاً عن اختلاف أهداف الحملات الاستعمارية في القرن التاسع عشر ( مثل حملة نابليون على مصر) عن شبيهاتها في القرن العشرين. وقد علمنا أن الأولى هبت معها رياح التغيير على منطقتنا، ثقافيا و سياسيا، وكانت تحمل معها مشاريع تشكيل دول ومجتمعات حديثة على هامش المراكز الغربية، لكننا نشهد المآسي والكوارث التي لا نزال نعيشها رافقت الحملات الامبريالية في عصر الرأسمالية المالية أو الإمبريالية. كيف تنظرون إلى هذه المسألة؟
-واضح اليوم أنه أمام الانسداد والفراغ واليأس الذي يلف المصير العربي، هناك من يحن لحقبة الاستعمار ويزينها. ولكن على خطأ. فما نعيشه اليوم ليس هو إلا من نتائج هذا الاستعمار القديم والجديد. ولم يكن الاستعمار القديم عتلة للتطور والتقدم والحداثة كما يبدو للبعض، ولكنه هو الذي زرع بذور الفساد في النظام الاجتماعي القائم، وأسس لقاعدة الحداثة الرثة، أي الاستعمارية التي تستوعب الشعوب الجديدة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ولكن من مستوى واطيء، بتحويلهم إلى وسائل لتطوير حداثتها المركزية والمكتملة، وموارد تستخدمها لتوسيع أسواقها ومراكمة راسمالها وتعزيز مواقعها الاستراتيجية، وعمال مهاجرين يعملون في خدمتها كالعبيد. هؤلاء جميعا دخلوا في الحداثة، لكن ليس الحداثة الناجزة المرتبطة بالحقوق والحريات والازدهار المادي والروحي، وإنما في حداثة مجهضة غير ناضجة وغير متكاملة وفاقدة للحياة، أي زبالة الحداثة. فهم عبيدها لا أسيادها، وضحاياها لا المستفيدن منها.
ولإدراك المضمون الحقيقي للاستعمار القديم الذي يبدو أنك تحن له أنت أيضا تكفي إعادة قراءة ماركس نفسه، ورؤية تقييمه لتجربة بريطانيا في الهند ونظريته في التراكم البدائي. لقد كان من دون تردد مأساة حقيقية. ولا يخفف من شدة هذه المأساة كونها كانت في أساس تحول كبير في تاريخ الشعوب. فماذا نقول عن استنزاف الموارد الأفريقية البشرية والطبيعية، وعن حرب الأفيون الصينية، وعن الاستعمار الاستيطاني الذي أدمى شعوبا كثيرة، لا يزال نموذجه اللاإنساني قائما في فلسطين، في تحد مباشر لجميع القيم والمباديء الانسانية التي تقوم عليها ثقافة العصر.
من هنا لا اعتقد أن هناك مجالا للفصل القاطع بين حقبتين من السيطرة الاستعمارية الغليظة والناعمة، ولا من باب أولى تفضيل واحدتهما على الأخرى. جوهر الاستعمارين القديم والجديد، وما حصل ولا يزال يحصل منذ أكثر من قرنين، هو إلحاق شعوب وأمم وبلدان تضم أغلب سكان الأرض بنواة من الدول والامم التي نجحت في تحقيق سبق علمي وتقني لا مجال للشك فيه، وبالتالي تفكيك الكثير منها وفرض التبعية على البعض الآخر ومنع البعض الثالث من التقدم إلى مستوى القطب المنتج والمستقل نسبيا، حتى لا نقول الندية. وهذا التاريخ هو الذي لا نزال نعيش فيه وإن بدأت معالمه تتغير ببروز دول قوية في الصين والهند، وتقدمها ضد إرادة الدول الغربية المركزية.
والواقع أننا لا نزال نعيش في تاريخ واحد ومستمر. فحقبة الاستعمار الكلاسيكي هي التمهيد المباشر لحقبة السيطرة الامبريالية الراهنة، ولا تنفصل واحدتهما عن الأخرى. فأزمة التطور الحضاري العالمية المتجلية في تخلف القسم الاكبر من المجتمعات وتأخرها، هي الثمرة الطبيعية لهذه السيطرة التي تنتج التفاوت المتزايد في توزيع فرص التنمية والتقدم في جميع الميادين : السياسية مثل بناء الدولة الأمة، أو الاقتصادية، (نشوء السوق المستقلة التي تعني الحد الأدنى من التوازن بين العرض والطلب والانتاج والاستهلاك وبين الموارد البشرية والوسائل المادية والرأسمالية)، أو الثقافية بما تعنيه من تطور أخلاقيات وقيم مدنية مساواتية، كل ذلك وغيره كثير. فماضي الرأسمالية يفسر حاضرها أو على الأقل جزءا منه.
ولا أعتقد كذلك أن فرص التحرر من نير الاستعمار الجديد، أو السيطرة الامبريالية الراهنة، أكبر من الفرص التي أتاحها الاستعمار القديم. ولا ندري بعد على أي مبدأ يمكن أن يستند تحرر الشعوب في عصرنا الحالي بعد انحسار الفكرة الوطنية وتراجع الحمية الدينية، بالرغم من وجود جماعات تعبر بعنف متزايد عن تمردها على النظام القائم. ولعل قيمة المساواة ورفض التمييز بين البشر، أفرادا وامما، التي تكمن في صلب الفكرة الإنسانية الكونية، أو الكسموبوليتية الجديدة، هي التي ستشكل المحرك لحركات الانعتاق المقبلة التي ستكون هي أيضا ذات هوية وعقيدة وأبعاد كونية أو كوكبية. لكن لن يحصل هذا في أفق منظور أو على الأٌقل ليس في جيلنا.
10 – في فترات معينة يقع العلمانيون والتحرريون أمام خيارين أحلاهما مر ّ، هو الموقف الذي يفترض أن يتخذوه بين دعم دكتاتورية تقوم بخطوات علمانية، بما في ذلك إعطاء المرأة بعض حقوقها، وبين معارضتهم لها لانتهاكها الفظيع لحقوق الإنسان و المواطنين واحتمال وصول قوى إسلامية سياسية أشد إيلاماً للمجتمع بسبب ما تمارسه من استبداد فكري وسياسي وديني عل المجتمع ومناهضة جميع الاتجاهات الفكرية والسياسية والقوى الأخرى. ما هو الخيار الذي يمكن أن يكون صالحاً لبلداننا والخروج من النفق المظلم الذي يختنق فيه فكر الحرية والحداثة والتقدم؟
-كما ذكرت في جواب سابق، الخيار الصحيح هو الديمقراطية. وهذا يعني أولا عدم التسليم بخيارين لا ثالث لهما : الديكتاتورية “العلمانية” أو شبه العلمانية أو المتسترة بالعلمانية والحداثة، وهي مثال القرسطوية السياسية والفكرية، والدولة الكهنوتية التي يقوم على إدارتها وتوجيهها رجال يعتقدون أنهم يمثلون الله على الأرض أو أنهم مخلصون لوحيه وينفذون إرادته، سواء أكان ذلك نتيجة ايمان حقيقي أو استخدام مكيافيلي للدين. وثانيا بناء الخيار الديمقراطي، بالعمل السياسي المنظم ضد أنظمة القهر السياسية والنقاش المستمر مع قطاعات الرأي العام المختلفة، بما فيها القطاعات الاسلاموية، من أجل رفع الوصاية عن الضمير وتأكيد حرية الفرد وحقه في الاختيار ورفض مصادرة أمراء الجماعات، دينية كانت أو إتنية، إرادة الأفراد وقرارهم. وثالثا اعتبار الخيار الديمقراطي خيارا استراتيجيا وتاريخيا، مما يعني ضرورة العمل في برنامج الديمقراطية على المدى المتوسط والطويل، وعدم الاعتقاد بأن المسألة تتعلق بحسم السلطة بأي طريقة وأي ثمن، أو أن الديمقراطية تختصر في انتزاع السلطة من فئة وإعطائها لفئة أخرى. إن الديمقراطية السياسية لا تعيش من دون ثقافة ديمقراطية، ومن دون توازنات جديدة بين الدولة والمجتمع، والنخبة والشعب، وعلاقات مختلفة للأمة ككل بالمنظومة الدولية وعبرها بالأمم الأخرى. فالخيار الديمقراطي في ظروف عصرنا الراهن برنامج تاريخي يشمل مهام متعددة لا يمكن تحقيقها واستكمالها بانقلاب أو دفعة واحدة وإنما تحتاج لعمل دؤوب وطويل النفس، حتى لو أن احتمال أن تميل الكفة داخل الرأي العام لصالح الخيار الديمقراطي ليست مرتبطة بالضرورة باستكمال البرنامج الديمقراطي التاريخي أو إنجاز جميع مهامه.
لا ينبغي التردد إذن في العمل ضد نظم القهر، المتداخلة، محليا ووطنيا وإقليميا وعالميا، والتي هي مصدر جميع التشوهات النفسية والسياسية والفكرية لمجتمعاتنا. فبقدر ما يتقدم هذا العمل وتظهر في الأفق معالم الخيار الجديد، واحتمالات التغيير في هذا الاتجاه، سينقلب تدريجيا مزاج الجمهور الواسع، وينتقل قسم كبير منه إلى جبهة النضال الديمقراطي. والقصد أنه إذا كانت الديمقراطية لا تشكل قطب جذب قوي اليوم للرأي العام فلأنها لا توجد لا في الواقع ولا في النظرية كخيار ممكن، او لأن النخب الرئيسية التي يمكن المراهنة عليها من أجل التغيير الديمقراطي لا تزال عاجزة عن بلورة الديمقراطية كخبار قابل للتحقيق، وغير قادرة على صوغ البرنامج العملي الذي يعطي للعمل الديمقراطي صدقيته ويجعل منه مشروعا راهنا ومفتوحا للاستمثار من قبل جميع القوى الرافضة لنظام التحالف الثلاثي القائم أو المتضررة منه.
وإذا أردنا صياغة أكثر دقة للموقف الديمقراطي في مواجهة الخيارين القائمين قلنا، بلغة الماركسيين الكلاسيكيين، أن التناقض الرئيسي والعدائي للمشروع الديمقراطي هو مع الاستبداد ونسقه الفكري والعملي، أما التناقض مع التيارات الاسلامية المعارضة فهو تناقض يأتي في الدرجة الثانية، ولا يحتمل العداء، لأن تجاوزه شرط لتوحيد الصف الشعبي او تكوين كتلة سياسية قادرة على التغيير، وهذا التجاوز لا يتم بالمواجهة وإنما بالعمل على الرأي العام الاسلامي بما في ذلك الحركات أو التيارات الاسلاموية، من أجل كسب من يمكن كسبه للخيار الديمقراطي، وتشجيع من يمكن دفعه بشكل اكبر إلى الارتقاء بالمشروع الاسلامي إلى مستوى القبول بالتعددية والتسامح مع التيارات الأخرى، وتحييد من يمكن وينبغي تحييده من غلاة الاسلامويين المتعصبين والمعادين لروح المواطنية وفكرها.
والخطأ الذي لا يزال يقع فيه العلمانيون، أي الذين لايرون العالم والمجتمع إلا عبر أولوية العلمانية، ولا يهمهم كثيرا النظر في مشاكل السيطرة والامبريالية والصراعات الطبقية والفقر والظلم والاضطهاد، هو سكوتهم عن الاستبداد وأحيانا التغطية عليه أو تجميله خوفا من الاسلاميين. فهذا لا يعني شيئا آخر سوى انتحار التيار الديمقراطي لصالح الاستبداد من جهة ولصالح الاسلاموييين المتطرفين الذين يجدون في موقف خصومهم أفضل مصدر لشرعية دعوتهم ولمقارعة الاستبداد “الكافر” بالاسستبداد المؤمن. إن مغالبة الديمقراطيين للاسلامويين، أي تخليص الرأي العام من وهم الحلول الدينية للقضايا الاجتماعية، لا تتحقق بدعم الاستبداد الذي يفرخ الاسلاموية ويشرعن مشروعها بوصفه نقيضها ومثالها معا، وإنما بالعمل والاجتهاد لشق طريق التحول الديمقراطي والمثابرة عليه والاستثمار المتواصل فيه على الصعيد الفكري والعملي. وكما يقول المثل الصيني إن طريقا من ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. لكن المهم وضع قدمنا على أرض صلبة لنبدأ الخطو. وهو ما لم ننجح فيه بعد.




















