إدوارد سعيد
في طريقة متماسكة وبارعة أكثر ، أظن أن المثقفين ذوي الصلة بصياغة السياسة والقادرين على ممارسة المحسوبية من النوع الذي يعطي أو يمنع الوظائف والرواتب والترقيات ، يميلون بطريقة أكثر براعة وتماسكاً إلى مراقبة الأفراد الذين لا يلتزمون بالخط مهنياً ، وينتهون تدريجياً في نظر رؤسائهم إلى إشاعة جو من الخلاف والعصيان .
لقد شعرت دائماً أنه بالنسبة للمثقف الذي يمثل ضروب الأشياء التي نناقشها ، كونه في ذلك الصنف من المركز الحرفي ، حيث يخدم السلطة بشكل رئيسي ويفوز بمكافآتها ، لا يساعد البتة على ممارسة تلك الروح النقدية والمستقلة نسبياً للتحليل والحكم الذي – من وجهة نظري – هو ما يجب أن يكون مساهمة المثقف . في كلمات أخرى ، المثقف – لنتكلم بشكل دقيق – ليس موظفاً أو مستخدماً مستسلماً بالكامل لأهداف سياسة الحكومة أو الشركة الكبيرة ، أو حتى لنقابة محترفين ذوي فكر متجانس . في مثل هذه الأوضاع ، فإن إغراء إخماد الحس الأخلاقي ، أو التفكير من داخل الاختصاص تماماً ، أو اختزال نزعة الشك في صالح الامتثال للأعراف كبيرة جداً لكي يوثق بها . يستسلم مثقفون كثر لهذه الإغراءات بالكامل ، وإلى درجة ما كلنا نفعل . فلا أحد يعيل ذاته بذاته ، ليس حتى الأكثر عظمة من ذوي الإرادة الحرة . . .
لا أحد يستطيع أن يعبر عن آرائه دون خوف دائماً في كل المسائل . لكنني أعتقد أن ثمة واجباً خاصاً لمخاطبة القوى الشرعية المفوضة بالسلطة في مجتمع المرء ذاته ، التي تكون مسؤولة أمام مواطنيها قاطبة ، لا سيما عندما تستخدم تلك السلطات في حرب علنية غير متكافئة ولا أخلاقية ، أو في برنامج متعمد للتمييز والاضطهاد والقسوة الجماعية . . .
لا شيء في نظري أكثر استحقاقاً للشجب من تلك الطباع لدى المثقف التي تغري بالتجنب والنأي عن الموقف الصعب والمبدئي الذي تعرف أنه يجب أن يكون الموقف الصحيح ، لكن تقرر ألا تتبناه . أنت لا تريد أن تظهر سياسياً جداً ، إنك خائف من الظهور خلافياً ، أنت تريد أن تحافظ على سمعة أنك متوازن ، وموضوعي ، ومعتدل . تأمل أن تسأل وتستشار ، وأن تكون في مجلس أو لجنة ذات اعتبار ، وهكذا أن تبقى داخل التيار الرئيسي المسؤول ، وتأمل يوماً ما أن تحصل على درجة فخرية ، أو جائزة كبيرة ، وربما حتى سفارة .
هذه الطباع لدى المثقف مفسدة بامتياز . إذا استطاع أي شيء أن يشوه ويعزل ، وفي النهاية يقتل حياة المثقف المشبوبة العاطفة ، ويشخصن مثل هذه الطباع . وقد واجهت ذلك شخصياً في واحدة من المسائل المعاصرة الأكثر قسوة على الإطلاق ، فلسطين . حيث الخوف من التعبير دون تردد حول أحد أعمال الظلم الأكبر في التاريخ المعاصر قد أعاق وأعمى العيون وكمم أفواه كثيرين ، يعلمون الحقيقة وهم في مواقع يستطيعون فيها خدمتها . لكن الحقيقة تستحق أن تقال . . .
المثقف لا يتسلق جبلاً أو يرتقي منبراً ويخطب بالناس من الأعالي . واضح أنك تريد أن تدلي برأيك حيث يمكن أن تسمع على نحو أفضل ، وتريده أيضاً أن يمثل على نحو يجعلك تؤثر فيه بطريقة فعلية ومستمرة على قضية السلام والعدالة مثلاً . نعم ، صوت المثقف وحيد ، لكنه يمتلك رنيناً ، فقط لأنه يربط نفسه بملء حريته بواقع حركة ما ، وطموحات شعب ما ، والسعي العام وراء مثال أعلى مشترك ما .
إن قول الحق للسلطة ليس مثالية مفرطة بالتفاؤل : إنه تأمل حذر بالبدائل المتاحة ، واختيار البديل الصحيح ، ثم تقديمه على نحو عقلاني حيثما يمكن أن ينجح ، ويحدث التغيير المناسب .
11 / 10 / 2010 هيئة التحرير
- فصل من كتاب ” الآلهة التي تفشل دائماً ”




















