كان أدوارد سعيد مدافعاً صلباً عن قضية فلسطين. وكان ياسر عرفات قائداً متمرساً لثورتها. وقبل أن يفارق كلاهما هذه الدنيا، افترق المثقف الملتزم عن السياسي البراغماتي على زغل، بعدما جنح الأخير الى الموافقة – حتى وفاته المبهمة – على تسوية حل الدولتين وفقاً لاتفاق أوسلو، فيما ظل الأول متشبثاً – حتى الرمق الأخير – بمبدأ الحل على أساس وحدة أرض فلسطين التاريخية.
على خطى عرفات، يعترف فلسطينيون كثيرون اليوم بواقع كون المهاجرين اليهود تمكنوا، بالقوة القاهرة والتواطؤ الغربي، من تكريس وجودهم على أرض فلسطين التاريخية على حساب أصحابها الأصليين من المسلمين والمسيحيين واليهود. غير أن سعيد ظل يجادل بأن اسرائيل لن تكتفي بقبول الفلسطينيين طي صفحة الظلم التاريخي الذي ألحق بهم عام 1948 فحسب، بل أيضاً تطالبهم بانكار أن يكون هذا الظلم وقع أصلاً عليهم، فضلاً عن اعتراف الفلسطينيين بأن كفاحهم المسلح وانتفاضاتهم طوال أكثر من 60 سنة كانت ببساطة غير عادلة وغير مبررة.
إن اشتراط الحكومة الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية الإعتراف بيهودية دولة اسرائيل من أجل تمديد محدود للتجميد الجزئي للإستيطان في الأراضي المحتلة، ليس إلا محاولة لاستدراج الفلسطينيين الى تقديم هذا التنازل الحاسم عن جوهر مأساتهم الكبرى من خلال اعتبار أن ما حصل عام 1948 كان مبرراً على أسس تاريخية، وأن انشاء اسرائيل وتشريد الفلسطينيين بالتزامن كان عملاً “محقاً” للإسرائيليين.
في ظل اصرار الإدارة الأميركية برئاسة باراك أوباما على إنجاز تسوية سلمية في الشرق الأوسط، يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلغاء ما أمكن من القضايا الست للحل النهائي: اللاجئون والقدس والإستيطان والمياه والحدود والأمن. ولذلك أرفق شرطه الجديد بتأييده تشريعاً يفرض على المهاجرين غير اليهود قسم الولاء لاسرائيل كدولة يهودية، مما يعني أن اسرائيل باشرت معركة شطب موضوع اللاجئين. وتحت وطأة قضم الأراضي بفعل التجمعات الإستيطانية الإسرائيلية في ما يسمى “الحوض المقدس” وعمليات الهدم لبيوت الفلسطينيين داخل المدينة المقدسة وترحيلهم الى خارجها، يحاول نتيناهو أيضاً شطب القدس بفعل الأمر الواقع. وكذلك يعتقد البعض أن عملية التبادل الممكن للأراضي بين السلطة الفلسطينية واسرائيل، هدفها السيطرة من فوق على خزانات مياه جوفية رئيسية في الضفة الغربية. وبذلك لا يبقى عملياً من عناوين حل الدولتين، سوى قضيتي الحدود والأمن اللتين باشرت اسرائيل والسلطة الفلسطينية المفاوضات في شأنهما.
الذين راقبوا المعاودة الرسمية للمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية المباشرة مطلع أيلول الماضي في البيت الأبيض، رأوا أن مخاطبة نتنياهو للرئيس الفلسطيني محمود عباس بتقديم “تنازلات مؤلمة” من أجل صنع السلام، إنما تعني فقط أن كلامه ليس سوى ادعاء فارغ، فنتنياهو لن يقدم أي “تنازلات مؤلمة” ولن يتراجع قيد أنملة عن أي شبر من “أرض اسرائيل”. وهذا ما هدد، ولا يزال يهدد بإطاحة كل الجهود التي بذلتها ادارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بتقويض كل “منجزات” الرؤساء الأميركيين السابقين في سبيل حل الدولتين.
بعض المؤمنين بهذا الحل يعتقد بإنشاء دولة فلسطينية في غضون سنة، أنه لم يأت من فراغ “وعد أوباما” من منبر الأمم المتحدة، التي يلوح العرب بالعودة اليها لنيل “وعد أوباما” – وهو الحائز جائزة نوبل للسلام – لطلب الإعتراف بخطوط 4 حزيران 1967 حدوداً للدولة الفلسطينية.
غير أن التجربة تثبت مرة أخرى أن أدوارد سعيد كان محقاً في قوله إن الإسرائيليين يأخذون بالقوة والحيلة، ولا يعطون بالهيّن ودون مقابل. وإذا اضطروا، يسعون الى تحويل المقايضة استثماراً على المثل القائل: ما لدينا لنا من دونكم، وما لديكم لنا ولكم.
عن أي سلام تتحدثون.
(نيويورك)
“النهار”




















