ثمة دعوات عربية، رسمية وحزبية وشخصية، الى الاستفادة من العلاقة مع ايران، بصفتها بلداً كبيراً وعريقاً وغنياً ومجاوراً ومعادياً لإسرائيل التي تحتل اراضي عربية وتمارس كل اشكال الاضطهاد ضد سكانها.
ويذهب بعض هذه الدعوات، وعن حق، الى حد المطالبة بتعاون وتكامل مع ايران على غرار الجهود المبذولة لهذه الأغراض مع تركيا. بما يضمن للعرب بيئة مجاورة صديقة ومفيدة. وازدادت هذه الدعوات الحاحاً الى حد وضعها على جدول اعمال القمة العربية باسم العلاقة مع الجوار العربي، ووضع مشروع قرار يحدد تصور هذه العلاقة وأهدافها.
هذا التوجه يفترض انه يحمل هم المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها البلدان العربية، ولم تتمكن من ايجاد صيغ لحلها على مستوى جامعة الدول العربية، خلال عقود من عمر هذه الجامعة. بما يعني فشل الجامعة كإطار اقليمي، وهو فشل لا يحتاج الى دليل. لا بل اعتبر اعضاء في الجامعة ان هذا الفشل اوجد فراغاً في الفضاء العربي، ما استدعى القوى المحيطة به الى داخله.
هكذا تبدو الدعوات الى التعاون العربي مع كل من تركيا وإيران انها تصب في هذا الهم العربي وفي السعي الى ضمان المصلحة العربية. لكن هذه الدعوات التي قد تكون صادرة عن حسن نيات تبتعد عن غرضها عندما لا ترى اختلافاً بين نظرة كل من انقرة وطهران الى وظيفة العلاقة مع العرب وإلى الطبيعة السياسية لكل من الانفتاح التركي والإيراني على الجوار العربي، من جهة. ومن جهة اخرى، لا ترى كيفية استقبال هذه العلاقة في الداخل العربي.
لقد اعتمدت انقرة، في ظل حكومة حزب «العدالة والتنمية»، سياسة انفتاح على العرب تحت شعار «صفر مشاكل» وأولوية للاقتصاد. بما يجعل السياسة نتيجة لهذا التوجه، وتالياً اقامة علاقة سياسية متوازنة وندية تأخذ في الاعتبار تبادل المصلحة والمنفعة. وتمكنت من ان تنسج علاقات اقتصادية متطورة حتى مع اقليم كردستان حيث لها هموم تتعلق بمواطنيها الأكراد وبالعراقيين التركمان.
في موازاة ذلك، تعتبر ايران، في ظل حكومتها المنبثقة من «الحرس الثوري» ومكوناته الاقتصادية والعسكرية، ان الجوار العربي مسرح لمواجهتها مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وفي مقدمهم اسرائيل. وتالياً تخضع طبيعة علاقتها بالجوار العربي لهذا الاعتبار السياسي، ولتندرج تحته المصالح والمنافع. وتصبح هذه العلاقة ذات وظيفة آحادية، تكون جيدة بمقدار ما تقترب من المصلحة الإيرانية، بغض النظر عن الهموم والهواجس العربية، فتفقد توازنها ونديتها وإمكان ارسائها على التبادل.
وعلى المستوى السياسي المباشر، يصطدم الإجماع العربي كما يجرى التعبير عنه في بيانات القمم العربية بهذه النظرة الإيرانية الى وظيفة الجوار العربي. وينسحب هذا الأمر على الملفات العربية الثلاثة الأكثر التهاباً حالياً، اي العراق ولبنان وفلسطين.
وتدرك طهران انها غير قادرة حتى الآن على اختراق السقف الرسمي العربي، على رغم الفراغ في فضائه. فتتوجه الى حركات وأحزاب شعبية، تغذيها وتدعمها وتقويها، لتكون سهمها في اختراق هذا السقف، وإدخال تغيير استراتيجي على معادلة الصراع مع الولايات المتحدة في المنطقة، سواء تحسباً لمواجهة مقبلة او مفاوضات محتملة معها… وهنا يكمن المأزق الرسمي العربي. اذ ثمة تقدير ان السياسة الإيرانية في الجوار العربي تستهدف تقويض توازنه الذي رسا عليه منذ عقود، وفي الوقت نفسه ثمة عجز عن تفعيل هذا التوازن بما يعيد ملء الفراغ الذي تستغله ايران.
“الحياة”




















