حين قرر الرئيس الشهيد رفيق الحريري خوض غمار الشأن العام في لبنان، اختار أن يُلقي خطاباً في الجامعة الأميركية في حفل تخريج الطلاب، ومن المفيد العودة إلى ذلك الخطاب لأنه ضمَّنه رؤيته السياسية إلى البلد.
بعد هذا الخطاب دخل معترك الحياة السياسية، فكان كل ما أنشأه يرتبط بالمستقبل:
من التيار إلى الصحيفة إلى المحطة التلفزيونية، كان بكل اختصار يستثمر في المستقبل، وهذا ما دفعه إلى تقديم المساعدات التربوية للذين يريدون إكمال تعليمهم الجامعي سواء في لبنان أو خارجه من خلال مؤسسة الحريري التي ساعدت ما يفوق الثلاثين ألف طالب لبناني ليُكمِلوا اختصاصاتهم الجامعية. وغالباً ما كان يحلو للرئيس الشهيد أن يتحدَّث باعتزاز عن هؤلاء الأجيال المتعاقبة وكان يعتبر انها من أهم الإستثمارات التي قام بها، كما كان يُكرر دائماً أن الإستثمار في البشر يتقدَّم في الأولوية على الإهتمام بالحجر.
تلك هي المدرسة الحريرية التي أنشأها الرئيس الشهيد منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي وحتى لحظة استشهاده في شباط 2005، عدا ذلك لم يكن هناك مدرسة حريرية بل حكم وحكومة ومجلس نيابي، فالرئيس الشهيد حين أصبح للمرة الأولى رئيساً للحكومة كان ذلك في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، لم يكن هو يضع السياسات بل مجلس الوزراء مجتمعاً وكان يحوز على ثقة مجلس النواب على البيان الوزاري الذي يتقدَّم به ليستطيع أن يحكم، فأين هي المدرسة الحريرية من كل ذلك؟
ثم في عهد الرئيس اميل لحود ترأس إحدى الحكومات لكن السياسة كانت تُقَرَّر في مكان آخر أو في أمكنة أخرى، بدليل أن الكثير من السياسات لم يكن موافقاً عليها لكنها كانت تسير بقدرة قادر وبسحر ساحر، فأين المدرسة الحريرية في المال والإقتصاد والموازنات؟
إذا كان هناك من هدر فالجميع مشاركون فيه، وإذا كان هناك من فساد فالجميع وقفوا عاجزين عن معالجته، فهل يُعقل أن يتم إغفال كل هذه الوقائع والحقائق وإلباس كل ما حصل إلى المدرسة الحريرية؟
لماذا لا يجرؤ أحدٌ على التذكير بالمدرسة الحريرية التي كانت قائمة على التعليم؟ هل لأن التذكير يفضح مدارس الآخرين التي كانت قائمة على كل شيء إلا التعليم؟ هل لأن المدرسة الحريرية علَّمت من المعارضة بمفهوم اليوم بمقدار ما علَّمت من الموالاة؟
يستطيع أيٍّ كان من مؤسسة الحريري أن يُقدِّم سجلاً بخريجي المدرسة الحريرية، لكن منتقديها ماذا بإمكانهم أن يُقدِّموا عن إنجازاتهم؟
الأنوار




















