لفتني أن الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز لا يريد أن يترك منصب الرئاسة، وجاء في الأخبار أن مريديه ومحازبيه وأصدقاءه يجمعون التواقيع الشعبية الكثيفة لحمل البرلمان هناك على استصدار قانون يسمح له بالترشح مرةً ثالثة لانتخابات رئاسة الجمهورية، بما يفضي عملياً الى تعديل الدستور أو "تعليقه"، والذي ينص على ولايتين رئاسيتين محددتين بعدد من السنوات لا تجوز إطالة أمدهما.
وكان حزب تشافيز فاز في الانتخابات البلدية، اذ كسب في معظم الولايات، لكنه مني بهزيمة في الولايات الاكثر اكتظاظا بالسكان والاكثر ثراء، كما في العاصمة كراكاس. وكان قدّم هذه الانتخابات على انها بمثابة استفتاء شعبي على ثورته البوليفارية وقال انه في حال تحقيق الفوز فسيطرح مجددا على التصويت تعديلاً للدستور يسمح بإعادة انتخابه الى اجل غير مسمى بعد 2013، وهو موعد انتهاء ولايته الرئاسية.
وغداة صدور النتائج، اعلن تشافيز الذي تنتهي ولايته مبدئيا في 2013، ان الحزب الحاكم و"الطبقات الشعبية" ستجري تقويما لإمكان تقديم مشروع تعديل دستوري في 2009 يجيز اعادة انتخاب رئيس الدولة لفترة غير محددة.
عجبتُ من أمر القادة في العالم الثالث، بل من أمر الرأي العام والديموقراطية هناك. فهما يريدان عملياً وموضوعياً الحؤول دون تداول السلطة بتأبيد الرؤساء والملوك والأمراء والجنرالات، بحجة التأييد الشعبي الذي يحظون به، بما يغلق الباب أمام حيوية التعدد والتنوع والتغيير في حراك المجتمع السياسي، أياً يكن شخص الرئيس الذي يطالب هذا الرأي العام بالسماح بإعادة انتخابه.
طبعاً، أنا من المعجبين بوقفات العزّ التي يقفها الفنزويليون وسواهم من شعوب العالم اللاتيني وغير اللاتيني في وجه الغطرسة الأميركية، وخصوصاً في وجه السياسة التي انتهجها الرئيس جورج بوش غير المأسوف على انتهاء ولايتيه الرئاسيتين المظلمتين. لكني لستُ من المعجبين بالدعوات الى شخصنة الديموقراطية وتأليه الزعماء الذين يصل الرأي العام أحياناً الى حدّ الاعتقاد بقدراتهم العجائبية على تحقيق الخلاص للمجتمعات والشعوب والبلدان، بسبب أشخاص الزعماء لا بسبب حيوية مجتمعاتهم وشعوبهم وبلدانهم.
أنا شخصياً ضدّ هذا المنحى الذي تنزلق اليه الشعوب المنحازة نظرياً وتبسيطياً الى الديموقراطية انزلاقاً مخيفاً من شأنه أن يشكل سابقات خطيرة تفضي حتماً الى حالة أُطلق عليها تسمية "الديموقراطية الديكتاتورية". بل الديكتاتورية شحماً ولحماً. إذ ليس من الديموقراطية في شيء أن لا يعثر الفنزويليون المؤيدون لحزب الرئيس تشافيز على شخص آخر يستطيع أن يحمل الشعلة الديموقراطية ويواصل مسيرة الرئيس الحالي. وأنا أقول ما أقول بصرف النظر عما يجري من وقائع سياسية في فنزويلا، وعن رغبة السياسة الأميركية في وضع يدها الثقيلة على إرادات الشعوب اللاتينية.
عجيبٌ وخطيرٌ أمر هذا الرأي العام! أقول هذا وأنا متأكد من أني سأمحضه موافقتي وسأنحني لإرادته، أياً تكن النتائج المترتبة على هذه الإرادة، هناك وهنالك… وهنا في لبنان، وعلى مقربة أو مبعدة، في المجتمعات العربية الاخرى، ولدى الشعوب المشرقية التي تُسرَق فيها إراداتها وتجيَّر لصالح هذا الحزب الواحد أو الزعيم الواحد.
عجيبٌ وخطيرٌ أمر هذا الرأي العام! فهو لا يحتاج الى مساءلة نفسه ومحاسبتها وإعادة النظر في مواقفها. فالسؤال لديه مدعاةٌ الى تشغيل الرأس، وسببٌ في زعزعة "طمأنينته" الراسخة وثباته على رأيه وسيره الحثيث وراء فكرته عن نفسه ونظرته الى زعيمه وحزبه.
مشكلة الديموقراطية – ولا مشكلة خطيرة في الديموقراطية قياساً بمشكلات الديكتاتوريات – أنها أحياناً لا تفكّر حين يجب أن تفكّر. فلكي يكون هناك ديموقراطية حقيقية، فإن الرأي العام مدعوّ دائماً وأبداً الى المساءلة والنقد، وإلاّ انقلب هذا الرأي العام الى حالة ديكتاتورية كما هي الوقائع عندنا.
أحد مقالات العدد السابق من "الملحق" استشهد بجملة لأديبنا الكبير سعيد تقي الدين حول هذا الرأي العام اللبناني فنعته بـ"البغل" لأنه فعل كذا وكذا، وانساق وراء كذا وكذا من المواقف. لا بدّ بالطبع من العودة الى الظروف الموضوعية التي أحاطت بموقف سعيد تقي الدين، لفهم خلفيات نعته "الجارح" هذا. ولكي لا يُلصَق بهذا الموقف أيّ اتهامٍ، من نوع قلة التهذيب أو التعميم، فليذهب الرأي العام الى المكتبة وليشتر كتاب "أنا والتنين" لسعيد تقي الدين الصادر لدى "دار المجاني"، وليقرأ بالتفصيل موقف الكاتب الكبير الذي لا بدّ من أن يثير الشفقة على الرأي العام وعلى "ديموقراطياته" الزائفة أحياناً، ولا سيما عندما تنغلق نافذة العقل والسؤال والتفكير لديه، وعندما لا يكبح أحد الناس الفرامل الغرائزية والانفعالية من كلّ نوعٍ وجنس، وفي مقدمها غرائز تأليه الزعماء والقادة، وعدم مساءلتهم ونقدهم.
وإذا كانت الحال على هذه السوية، فكيف يكون هذا الرأي العام الفنزويلي ديموقراطياً ونقدياً وحيوياً وعاقلاً إذا كان يطالب بتأبيد رئاسة رئيسه، ملغياً كل الإمكانات الانتخابية الخلاّقة التي لا بدّ أن تكون وافرة لدى هذا الشعب الحيّ والجريء ولدى قادته وزعماء الرأي فيه؟
من واجبات الرأي العام الفنزويلي الديموقراطية أن يقول "لا" لحملة التواقيع التي تطالب بإعادة انتخاب تشافيز. من واجباته أن ينحني لمبدأ الديموقراطية وتداول السلطة، فلا ينجرف وراء غريزة تأليه الرئيس، وهذا لسبب وحيد: لكي لا يُنعَت بـ"البغل".
لا أكره هوغو تشافيز بالطبع، وإن كنتُ لا أؤيد الكثير من ممارساته السياسية الشعبوية المثيرة للشفقة، والتي تصبّ في خدمة الديكتاتورية، داخل بلده وخارج بلده على السواء. فأنا أكره جورج بوش وأكره سياساته، حتى لأكادني أقول كل سياساته… لولا إيماني العميق بضرورة إعمال العقل والتفكير في كل موقف قبل الانجرار وراء إطلاق سيول الـ"نعم" والـ"لا" على طريقة القطيع. أي بدون تفكير و"على العمياني".
لكنْ، ما لي ولهوغو تشافيز الآن، فهو ليس الموضوع وإنما ذريعة فحسب. فما أقوله عن الرأي العام الفنزويلي المؤيد تأييداً "إلهياً" لرئيسه، أريد أن أقوله عن الرأي العام اللبناني المؤيد "على العمياني" لزعمائه الذين يأخذونه الى هاوية. وإذا كنتُ أستخدم عبارة "الرأي العام" فأنا أشير الى نفسي أيضاً في اعتباري واحداً من أفراد هذا الرأي العام.
أنا "أخاف" الرأي العام عندنا. أقول هذا علناً، وبالفم الملآن، وبحبرٍ أسود، فاقع، وبنداءٍ دراماتيكي، وعلى رؤوس الأشهاد، لكي يسمع رأيي جميع الناس، بعقولهم لا بالغرائز والانفعالات.
أنا "خائف" من الرأي العام، لأني لا أستطيع إلاّ أن أتذكّر كلام سعيد تقي الدين فيه. لكن "خوفي" لن يجعلني أنقلب على هذا الرأي العام بالقوة والعنف والترهيب والقتل. بل سأمحضه موافقتي وسأنحني لإرادته، أياً يكن الموقف الذي يتخذه، تماماً مثلما محضته موافقتي وانحنيتُ لإرادته منذ وعيتُ وعقلتُ.
… علماً ان إرادات هذا الرأي العام ليست كلّها سليمة ولا تصبّ حكماً في مصلحة الديموقراطية.
صحيح، ليس الرأي العام كلّه "بغلاً". لكنْ، عليه أن يثبت ذلك بالمساءلة وإعمال العقل، و"العدّ الى العشرة"، قبل الانسياق وراء كرّازه.
وثمة أمام هذا الرأي العام الكثير من الامتحانات الداهمة لكي يثبت أنه ليس "بغلاً".
أكرّر ما قاله جيلبير كيث تشسترتون: كلٌّ منا يتحدث عن الرأي العام، وهو قد يكون يقصد الرأي العام، ناقصاً رأيه الشخصي هو بالذات.
منعاً لكل تأويل من هذا النوع، أعلن للرأي العام اللبناني أني واحد من أفراده، وأني عندما أتحدث عنه فأنا أقصد نفسي أيضاً، عارفاً ماذا أقول في هذا الصدد، وإلامَ أرمي.
والسلام! ¶
"النهار"




















